
الاقتصاد الريعي وفرص الانتقال الديمقراطي:
نظرات في الحالة السودانية د. علي محمد عثمان العراقي
يقصد بالاقتصاد الريعي اعتماد الدولة على مصدر واحد للريع( الدخل) وغالبا ما يكون هذا المصدر طبيعيا لا يحتاج إلى عمليات إنتاج معقدة، وتستحوذ السلطة الحاكمة على هذا المصدر وتحتكر مشروعية امتلاكه وتوزيعه وبيعه، وقد اهتم الاقتصاديون منذ وقت باكر بالريع وتوضيح مفهومه، ولئن كان آدم سميث عرف الريع بأنه دخل يحصل عليه الشخص حصدا دون أن يزرع وفرق بين الريع وصور الدخل الأخرى كالأجور والأرباح فإن الفريد مارشال ذهب إلى أن الريع مفهوم أوسع بكثير من دخل مالك الأرض وأقترح مصطلح الريع الاقتصادي الذي عرفه بأنه الجزء من الدخل الذي يزيد على نفقة الإنتاج.
يؤكد التاريخ أن الاقتصاد الريعي يولد أنظمة استبدادية، وقد كان صعود الديمقراطية في أوربا رهين بتفكيك الدولة الوراثية وتغيير الثقافة الاقتصادية والسياسية وترسيخ أسس الحرية الفردية ومساءلة النخب الحاكمة أمام مواطنيها ، وقد ذهب تقرير لليونسكو صادر في 2010 أن الاقتصاد الريعي عامل أساسي في الجمود العلمي والتكنولوجي بالدول العربية.
يؤدي الريع إلى سيادة بيئة اقتصادية تؤثر على سلوك الاستثمار الخاص حيث يتوجه إلى أنشطة استخراج الخام والمضاربات العقارية والمطاعم والتوكيلات التجارية، ويفرز الريع قيما وسلوكيات تعزز ثقافة الغنيمة على حساب ثقافة الإنتاج والإبداع. وتؤكد الأدبيات أن الاقتصاد الريعي هو حصر النشاط الاقتصادي في قطاعات تدر أرباحا كبيرة دون أن يكون لصاحب الريع أي نشاط إنتاجي أو إبداعي يذكر سواء أكان رجل أعمال أو شركة من القطاع الخاص أو العام، وسواء كانت الحكومة المركزية أو حكومات الولايات والمناطق.
يتميز الاقتصاد الريعي بعدة خصائص أبرزها:
١/ أصل الريع خارجي اما الداخلي فيتمثل في نقل المدفوعات الداخلية
٢/ تشارك أقلية من السكان في توليد الريع بينما يكون دور الأغلبية التوزيع والاستخدام.
٣/ لا يكون الريع هو النوع الوحيد الدخل في الاقتصاد ولكنه الأكبر.
يذهب كثير من الباحثين لصعوبة تحقيق تحول ديمقراطي حقيقي في ظل اقتصاد ريعي تغيب فيه المساءلة وتتعاظم سلطة الدولة ويهمش المجتمع المدني، والأهم من ذلك أن عدم تنويع القاعدة الاقتصادية( تركز النمو في قطاعات الريع ) يؤدي لزيادة حدة التفاوت وسوء توزيع الدخل.
وإذا ما أمعنا النظر في الحالة السودانية فلا نعدو الحقيقة بزعمنا أن التوجه الريعي مسؤول بدرجة كبيرة عن ضعف السلوك الديمقراطي؛ فالدولة الوطنية التي ورثت من الاستعمار آليات تعزيز سطوة الجهاز الحكومي لم تكن حريصة على بناء ودعم مؤسسات مجتمع مدني فاعلة، بل أن بعض الحكومات اجتهدت في تجريف الكيانات التقليدية كالادارة الأهلية لصالح المؤسسات الحكومية، وترافق ذلك مع تمدد القطاع العام في النشاط الاقتصادي فتولدت إيرادات ريعية للحكومة ضاعفت من سلطتها في المجال العام.
ولئن حاول جمال حمدان في كتابه شخصية مصر تفسير اختلاف الخصائص بين المجتمع النهري الفيضي ومجتمع الزراعة المطرية وذهب الى ان ذلك يظهر في جانبين: أحدهما يتعلق بالحكومة حيث تكون في المجتمع النهري الفيضي مركزية ولها قوة أكبر مقارنة بالمجتمع الزراعي المطري فإن ذلك يفيد في تفسير بعض السياسات الحكومية التي تحابي القطاع المروي لسهولة السيطرة عليه ويقف قطاع السكر واحدا من أمثلة تغلغل التفكير الريعي؛ ولا يمكن تفسير الاهتمام الزائد بالسكر وتجاهل سلعة استراتيجية كالصمغ العربي الا من هذا الباب، ولا ننسى الاحتفاء الكبير بالبترول والذهب والتوسع المستمر في الرسوم الجمركية.
ينتج الاقتصاد الريعي سلوك سياسي يعتمد على تعميق النعرات القبلية والجهوية، ويلاحظ أن الإيرادات المتحصلة من الريع لا تنتج عن توظيف عمالة كبيرة في الاقتصاد المحلي.
كما تتميز الدولة الريعية بتعطيل تطور المجتمع المدني و يرى البعض حالة الدولة الريعية بأنها: سلطة أكثر من مطلقة ومجتمع أقل من عاجز. يعوق الريع الانتقال الديمقراطي نتيجة غياب النشاطات المنتجة التي تبرز قيمة العامل وأهمية عمله المنتج والذي إن تم يعطيه الاستقلالية والقدرة على التعبير عن رأيه دونما خوف من إنقطاع مصدر رزقه بسبب هيمنة الحكومة على فرص العمل.
ينجح الانتقال الديمقراطي إذا حدث إصلاح جذري في النظام الإقتصادي سواء على مستوى إنتاج الريع أو البيع والتوزيع وتوجيه جزء من العائدات لبناء قطاعات إنتاج حقيقي ورقابة مجتمعية، عندها سيكون الريع مساعدا في خلق نظام اقتصادي يعزز الممارسة الديمقراطية ويبني أسس للعدالة والإنصاف .
صحيفة إيلاف
Comments
Post a Comment