في اللّغة والهويّة
د. محمّد الصادق بوعلّاقي*
ما جدوى التمسّك باللّغة العربيّة وهي لا تَلِج بكَ بحر عِلمٍ ولا تدلف بكَ إلى تقانة حديثة؟ أليس الفرد مدفوعاً إلى حُسنِ تملّك لغة العِلم والتِّقانة ليكون مُعاصِراً زمانه؟ فأيّ منزلة مرموقة للّغة العربيّة وليس للعرب في راهن أيّامهم ولا في مستقبلهم القريب سؤدد؟ هذه أسئلة قد تهمِّش قضايا اللّغة العربيّة وما يتفرّع عنها، ولكنْ في الآن نفسه قد تكون لها مبرّراتها.
أصبحت مَحاور الصراع في السياسات العالَميّة اليوم لغويّة ثقافيّة لأنّ الهويّة اللّغويّة والثقافيّة باتت أكثر أهميّة في علاقات الشعوب انفصالاً واتّصالاً، وهي مسألة أكّدها صامويل هنتنجتون في قوله "إنّ الثقافة والهويّات الثقافيّة والتي هي على المستوى العامّ هويّات حضاريّة تشكِّل أنماطَ الصراع في عالَم ما بعد الحرب الباردة"(من كِتابه صدام الحضارات: إعادة صنع النظام العالَمي)؛ ولهذا فإنّ المُجتمعات في زمن العَوْلَمة آخذة في البحث عن خصوصيّاتها الثقافيّة وهويّاتها الجماعيّة وساعية إلى ضبْطها ودعْمها، ولئن كان الصراع اليوم دائراً بين الشعوب والمجتمعات حول الثقافات والهويّات أساساً، ألا يعني هذا ضرورة اشتغاله ضمنيّاً أو صراحةً على اللّغة؟ فهي المَرمى البعيد لمُختلف الصراعات وإن لم تلهج به الأفواه في السياق العربيّ.
الّلغة الأمّ سدى الكيان الاجتماعيّ
إنّ اللّغة هي حاملة تراث المجتمعات وحضاراتها وتاريخها وأساس بناء مستقبلها ومقوّم هويّتها. وتُعلّمنا دروس التاريخ أنّه لا يُمكن أن يستمرّ حضور جماعة إنسانيّة بخصائصها المميّزة إنْ ضاعت لغتها. فالأمازيغ مثلاً مجموعة ذات تاريخ وثقافة في الغرب الإسلاميّ لكنّ ثقافتهم قد ضاعت أو كادت بضياع لغتهم حتّى أنّه لا ذكر لهم اليوم في تونس مثلاً، وليس بعيداً عنّا حادث مغادرة الرئيس الفرنسي جاك شيراك مؤتمراً لرجال الأعمال الفرنسيّين بسبب إلقاء أحدهم كلمته بالإنكليزيّة بدل الفرنسيّة. فقد أضحت المسألة الثقافيّة مِحور صراعات العصر، كما يسعى النِّظام العالَميّ الجديد إلى الانفراد بسلطة القرار سياسيّاً واقتصاديّاً وعسكريّاً، فإنّه يسعى أيضاً إلى تنميط الثقافات من خلال إرباك اللّغات المُحيطة به وإضعافها لأنّ اللّغة هي الحامل الأكبر للهويّة ومُنتجها الثقافيّ، وهي الجسر الأعظم للمسوّق الإعلامي، والسيف الأمضى في الاختراق الاجتماعيّ والنفسيّ والحضاريّ.
يُدرك دعاة الكونيّة والعالَميّة أنّ اللّغة هي أمّ الأُسس في أيّ بناء حضاري، وهي صانعة الهويّة وصائنتها ولن تكتسح الثقافة الكَونيّة المَجالات المُزمَع الهَيمنة عليها إلّا بتهميش لغاتها وتفكيكها. فحوار الثقافات وحقّ الاختلاف وحقوق الأقليّات كلّها عناوين لامِعة جذّابة تستميل الأذهان والأعناق، ولكنّها تعني أيضاً الاعتراف بالديمقراطيّة اللّغويّة وبحقّ مُختلف الألسن في الاستعمالات الرسميّة، أمر قد يفضي إلى تشظّي اللّغة العربيّة ويؤدّي إلى اختراق الهويّة العربيّة، لأنّ إرباك اللّغات ذات المتانة الرمزيّة ودفْعها نحو التشظّي هو جوهر الحرب الثقافيّة التي تدقّ الأبواب في صمت، وصولاً إلى قلعة الهويّة.
إنّ الثقافة وسيلة ضروريّة لاكتساب صفة الانتماء الفعليّ إلى كيان اجتماعيّ محدَّد ومتميِّز. "فالثقافة كيفيّة خاصّة لرؤية الوجود والحياة نابعة من لغة الأمّة وآدابها"(عبد الرزّاق الدّاوي، في الثقافة والخطاب عن حرب الثقافات حوار الهويّات الوطنيّة زمن العَولَمة)، لأنّ الّلغة الأمّ سدى الكيان الاجتماعيّ عقائديّاً وتاريخيّاً وإثنيّاً والمخزون الاستراتيجي لكلّ مجتمع حيّ وعِماد ثقافته وهويّته. إنّ اللّغة في مكوّناتها الأساسيّة واحدة من الخصائص التي تقتصر على النَّوع الإنسانيّ، وهي جزء من الإعداد الإحيائيّ المُشترَك الذي لا يختلف فيه أعضاء هذا النَّوع، وإنّ البحث في قضيّة اللّغة يحيلنا مباشرة إلى علاقة الإنسان الفاعِل الاجتماعيّ بالظاهرة اللّغويّة، وقد بيّنت مَباحث عِلم اللّغة الاجتماعي أنّه من خلال فحْص المميّزات داخل لغة من اللّغات يُمكن أن يتسنّى للباحث قراءة الأصول الاجتماعيّة والجغرافيّة والإثنيّة لمُستعمليها فرداً ومجموعة(جون جوزيف،اللّغة والهويّة قوميّة إثنيّة دينيّة)، فاختيار المفردات اللغويّة ونظمها تخلقه طبيعة الاجتماع وتحدّده المتطلّبات الاجتماعيّة لذلك يقاوم المجتمع كلّ من يخرج عن نظامه اللّغويّ، في معنى أنّ الهويّة حاضرة في اللّغة علامات ودلالات أكثر من حضورها في مكوّناتها الأخرى.
إنّ اللّغة جوهر هويّة المجتمعات وعقلها الاجتماعيّ، وقد أكّد جون جوزيف ذلك في قوله "أنا أؤكّد أنّ ظاهرة الهويّة في عمومها يمكن أن تفهم باعتبارها ظاهرة لغويّة"(جون جوزيف،اللّغة والهويّة قوميّة إثنيّة دينيّة، تر. عبد النور خرافي، 2007)، في معنى أنَّ الإنسان في جوهره ليس سوى لُغة وهُويّة، اللُّغة فِكرُه ولسانه، وفي الوقت نفسه انتماؤه وحقيقته وهُويّته، لذا يزداد الاهتمام باللُّغة والهويّة معاً لحظات التمفصُل التاريخي، وفي الغالب يتماهيان ليُصبِحا كياناً واحداً.
ولتحكُّم اللّغة بالهويّة في تراثنا صلاتٌ متينة ميّزت العرب عن سواهم. فقد ربط العرب بين اللّغة والقبيلة ربطاً متيناً، ولهذا تحدّثوا عن لغة تميم ولغة قريش ولغة حمير ولغة أهل الحِجاز ولغة أهل اليمن، وجعلوا اللّغة واسِمةً الإنسان والمكان والهويّة، فالعرب "أشدّ شعوب الأرض إحساساً بلغتهم فهي ليست في نظرهم أعظم فنونهم فحسب بل خيرهم المُشترَك"(ألبرت حوراني، الفكر العربي قي عصر النهضة 1798 – 1939). واللّغة لديهم قصّة وجود ماضياً وحاضراً، ومنبع هويّة لا ينضب، هويّة زاخرة بالتعدّد المُغني للثقافة، تُحقِّق انتماء الفرد إلى المجموعة وانسجامه معها ترسيخاً لتوازنه الاجتماعي والوجودي من خلال الشعور بالانتماء الموحّد للطموحات والمُثل عبر الّلغة الأمّ.
إنّ اللّغة هي المقوِّم الرئيس في وسم هويّة المجتمعات، ولهذا السبب فإنّ أوّل خاصيّة حدَّدت بها موسوعة Encycopedia Universalis العرب هي اللّغة "العرب هُم شعب أو إثنيّة لغتهم العربيّة وهي لغة لها خواصّها". ويؤكّد صاحب المقال أنّه لا يُعتبَر من العرب إلّا الأفراد والجماعات التي تتكلّم العربيّة والتي تعترف برابط قرابة مع الجماعات الناطقة بالعربيّة والتي لها ارتباط بالتاريخ القديم لشبه الجزيرة العربيّة. فقد سبقت اللّغةُ العرقَ والدّين في تحديد الهويّة، أمرٌ أكَّده القرآن لمّا ميّز آدم عن بقيّة الخلق باللّغة في قوله ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة2/30)، إذا فهمنا الأسماء بمعنى ألفاظ اللّغة، وأكّده النبيّ في حديث مُتواتر يُبرز مكانة العربيّة في ضبْط الهويّة "أيّها الناس ليست العربيّة بأحدكم من أب ولا أمّ إنّما هي اللّسان فمَن تكلّم منكم العربيّة فهو عربيّ"( علي بن الحسن بن عساكر، تهذيب التاريخ الكبير، تحقيق عبد القادر بهران، 1932).
والعربيّة حالة فريدة في تميّزها اللغويّ والثقافيّ، فقد ظلّت ثابتة مستمرّة نُطقاً ورَسماً، نَحواً وصرفاً لقرونٍ حاملةً بين طيّاتها مُرتكزات الشخصيّة العربيّة، حتّى أنّه لم يبلغ تماهٍ بين الذّات والّلغة في الثقافات الإنسانيّة كما بلغه عند العرب؛ وليس التماهي إلّا جوهر الهويّة في ذاتها في معنى أنّ الإحساس بالانتماء تولِّده اللّغة أساساً، فضلاً عن التاريخ والثقافة والأرض وبقيّة العناصر المهمّة، لذا فإنّ تفتيت الهويّات والقوميّات المُتماسِكة وخَلْخَلة الثقافات الراسخة لا يحتاج إلى مُعسكرات، إنّما ينجزه التشظّي الّلغويّ. ففي تدمير لغة مجتمع هدْمٌ لهويّته لأنّ تفتيت اللّغة هو الخطوة الأولى الحاسِمة نحو تفتيت الهويّة والأرض، فمَن ظنّ أنّ اللّغة مسألة والهويّة مسألة أخرى فقد هدم وجوده.
أسواق عربيّة لاستهلاك اللّغات واللّهجات
لكنّ اللّغة العربيّة الأمّ تُواجِه اليوم تحدّيات كبيرة، فهي معرَّضة للانقراض لمَصلحة اللّهجات المَحكيّة وِفق ما أقرّه 500 باحثٍ عربي وعالَمي مُختصّ في عِلم اللّسانيات والطبّ النفسي(عماد راشد، "انقراض لغة من اللّغات الأمّ كلّ أسبوعَين والعربيّة ليست مُحصَّنة")، وما صيّر فزَعَ الباحثين مبرّراً ما نرصده من تقليص دوائر اللّغة العربيّة الفصحى من خلال تلهيج الخطاب في مَقامات تكون فيها السيادة للفصيح، فضلاً عن تأثير الخطاب الإعلامي حتّى غدت اللّغة العربيّة الفصيحة أو كادت عامل فرقة بين متكلّميها.
إنّ أمر العرب عجيب في مختلف المستويات سياسيّاً واجتماعيّاً واقتصاديّاً، والأعجب من ذلك كلّه أمرهم مع لغتهم، فقد تحوَّل أهل الضادّ إلى أعداء أنفسهم يميتون لغتهم ولا يَعلمون أنّهم بذلك يقاتلون ذاتهم، نظراً إلى ما يصيب اللّغة من انفلاقٍ داخليّ بحلول اللّهجات المتفرِّعة عنها محلّها.
ليس القصد أن تصبح اللّغة العربيّة الفصيحة تداولاً بين الناس فلا يُمكن أن ينكر من ألمّ بأبجديّات علوم اللّسان ما في اللّهجات من غنىً، ولكنّ للّهجات مجالاتها. فالإشكاليّة في تلهيج الخطاب الثقافي والعِلمي والإعلامي المحمول منه على الفصاحة ضرورة، فقد زادت وتفاقمت في البرامج التي تبثُّها أغلبيّة القنوات العربيّة ظاهرة المسلسلات الأجنبيّة المُدبلَجة (التركيّة والمكسيكيّة والهنديّة وغيرها) وظهرت معها حتّى الدبلجة باللّهجات المحلّيّة العاميّة، وتحوّلت المجتمعات العربيّة إلى أسواقٍ ضخمة لاستهلاك اللّغات واللّهجات الوافدة، وهذه كلّها تحدّيات حقيقيّة تُواجِه اللّغة العربيّة التي غدت غريبة في دارها وبين أهلها وذويها، ومظاهر بارزة من أزمة العرب في هذا العالَم الذي يشكِّلون طرفَه الأضعفَ في كلّ المجالات، فلا تنقطع صلة تآكل اللّغة العربيّة وتراجعها عن حرب الثقافات زمن العَولَمة، إذ يبدو أنّ صراع الحضارات يرنو إلى هَيمَنة لغة الأقوى ولا يتحققّ ذلك إلاّ بتفتيت لغة الأضعف وما يتناسل عنه من إرباك الثقافة وتشظّي الهويّة في غياب إرادة التطوير في مختلف المستويات لدى القائمين على سياسة التعليم والثقافة والإعلام في المجتمعات العربيّة، فمن دون قرار سياسيّ حاسم لن يتمّ التفاعل البنّاء مع العَوْلَمة للنهوض بالعربيّة لغةً وهويّةً وثقافةً.
*كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة/ جامعة سوسة - تونس
المصدر: "أفق" – مؤسسة الفكر العربي
Comments
Post a Comment