Skip to main content

العقل الجميل--------- عماد البليك

العقل الجميل
عماد البليك
عماد البليك
في 23 مايو الحالي توفي في حادث سيارة مأساوي واحد من ألمع العقول في القرن العشرين وهو عالم الرياضيات الأمريكي جون ناش، الذي تشكل حياته سيرة لشخصية نادرة سيظل أثرها باق لقرون طويلة، إنه إنسان ملهم على شاكلة آينشتين وستيفن هوكنج وآخرين ممن اشتغلوا على المسائل المعقدة في المعرفة البشرية مثل الرياضيات والفيزياء.
وإذا كان جون ناش قد اشتهر لكونه صاحب نظرية "الألعاب" – وهي قصة أخرى - التي حصل بها على جائزة نوبل في الاقتصاد سنة 1994 إلا أن الجانب المثير في حياته يتعلق بالمرض النفسي الذي كان يعانيه وهو الفصام الذي يجعله يرى ويتوهم أناس ليس لهم من وجود حقيقي في العالم، يشعر بهم بجواره في الغرفة ويتكلم معهم، ويذكرني ذلك برواية "مقبرة براغ" لأمبرتو إيكو فالبطل يعيش كما لو أنه شخصيتين لكن إحدهما لا تعرف الأخرى، يترك مثلا قبعته في الغرفة ويأتي في اليوم الثاني ليقول لمن تكون هذه القبعة؟
وهذا المرض الذي شفي منه ناش لاحقا ربما شكل أحد التجارب الحية التي جعلته عبقريا ساعة يتعلق الإبداع بمساحة فاصلة بين الوعي واللاوعي بين الجنون والانغماس في كيمياء الواقع التقليدي، فلكثير من العباقرة والأناس الذين لهم القدرة على تغيير العالم تكون هذه المساحات العجيبة التي قد يحار فيها العلم إلى اليوم، في حين أنها تشكل مثارا للتحيز ربما الملهم وتتموضع في صلب الفكر الصوفي والديني المفارق للكلاسيكية.
لقد عاش ناش وهو غير قادر على الفصل بين الواقع والحلم، بين الحقيقة والخيال، وهذا يستعيد صورة الإنسان البدائي وفق تصويرات بعض النظريات في عالم الأحلام، التي تقول بإن الإنسان الأول كان لا يفرز بين عالمي الخارج (الواقع) وعالم الأحلام التي يراها في المنام، لدرجة أنه إذا خاصم شخصا في النوم فلن يكلمه في الصباح، لأنه ببساطة لا يفرز بين العالمين اللذين يتداخلان بدرجة متماهية، وربما أن الكائن البشري استغرق بعض من الوقت الذي وصل فيه إلى درجة من القدرة على نزع طبقة الوعي عن اللاوعي. أو الفرز بين الأحلام والواقع.
والمفارقة أن الاتجاهات الحديثة في الفكر والمعرفة الإنسانية، تحاول رد الاعتبار لتلك المساحة المتماهية، لاعتقاد ربما بأن الإبداع والحلول المستعصية للمشكلات الإنسانية تكمن في هذا النقطة "العمياء/المضيئة" التي يتلاقى فيها حدود المطلق بالمحدود، وربما هي تشبه بعد الإطراقات الصوفية ونظريات الجذب الأثيري كما في "كتاب السر"، وغيرها، لكن البعد الثاني لهذه الصورة يتجلى في مسائل كالتداخل العميق بين العقل والوحي، بين النص والحقيقة والمجهول، وهي مسائل ظلت مثار سؤال مستمر في التاريخ ولازالت بحيث يصعب القول إنها محسومة، فهي إلى اليوم مثيرة للجدل والاستنطاق والتفكير بصورة غير مباشرة في واقع العالم الذي نعيش فيه.
إن حقيقة العالم ليست في التمثلات المرئية، وإنما في أبعد من ذلك من خلال ما يتحرك في الأذهان والتصورات والمرئيات غير الواضحة للآخرين إلا في حدود المنطوق والمتشكل، فنحن نتعامل مع المعطى النهائي والشكل الكلي للأشياء وليس مع المحفزات والدوافع التي انطلقت منها الأفكار، وهنا تكمن صعوبة الإدراك وفهم إرادة الآخرين وكيف يتحركون بدوافعهم باتجاه ما يعرف مثلا بالنوايا الحسنة أو الشريرة.
لقد مر السيد ناش بأربع سنوات من 1945 إلى 1949 شكلت عزلته عن العالم الشكلاني والمرئي والمعاش، ونقلته إلى المصحة العقلية والتعامل معه على أساس الجنون والغرابة، لكن هذه السيرة انتهت بالخلاصة الأكيدة في تفرد هذا الإنسان وتميزه ككائن لا يتكرر. ومن هنا فعظمة الحياة أو العقل ألا يكون مجازا معادا، قدرة الذات أن تكون بهية وذات أثر وفاعلية وأن تعطي لهذا الوجود بمثل ما أعطاها، تعطيه النماء والتقدم والإخلاص.. إن الكون يقدم لك بمثلما ما تقدم له هكذا يتوارث العظماء هذه الحكمة التي لم تكتب في ألواح سرية أو مغلقة في سراديب تحت الأرض، بل هي واضحة للعيان كالشمس. إن أسرار النجاح البشري واضحة وجلية لمن يريد أن يبصرها وعلى العكس من يريد أن يعيش في نفق مظلم له ذلك. لكن المسألة تتطلب تلك التضحية الروحية والمادية معا، لابد من استغراق يكلف المرء لكي يصل إلى حقيقته ويقدم شيئا مفيدا للعالم.
تكرس الأفكار السامية والفلسفية والحكمة الأبدية المتوارثة جيلا عن جيل، وكذا الديانات كيف أن الإنسان طاقة هائلة من العطاء الذي يأتي بالاقتراب من حقيقة الذات، ففي الفكر الديني وفي الرياضات الروحية الحديثة كذلك مثل اليوغا، يتحرر الإنسان من مجال الجذب الذاتي اليومي ومن تكرار الدوائر نفسها التي يدمنها يوميا ليدخل في مساحة أخرى من الزمن والحياة، ليكتشف أن ثمة أكوان أخرى وحقائق غير مرئية من قبل في هذا العالم، ومن هنا يولد الإبداع بالقدرة على رؤية ما غير ملحوظ سلفا، وهذا ليس مجرد صدفة أبدا بل هو تمرين مستمر على الحياة، على الرؤية والاستغراق في الأبدية وفي الواقع الأبدي وفي إنتاج الذات بشكل رائع متحرر من القلق والمعاد والروتين، والانكسارات التي تتولد من الانكفاء.
في فيلم "العقل الجميل" عن حياة شان، والذي أنتج سنة 2001 من بطولة راسل كرو، وإخراج رون هوارد وتأليف أكيفا جولدسمان، يحاول الفيلم أن يتطرق إلى هذه القضية المتعلقة بالخطوط الفاصلة والرابطة كذلك بين الإبداع والغموض والجنون، بين تلك الهبة الإلهية والموهبة الإنسانية، وبين التحرر الذاتي الذي يشكل الحقيقة التي يظل كل إنسان يبحث عنها داخله، حيث يقودنا لنتعرف على الكيفية التي أوجدت عالما فذا من خلال التداخل بين العوالم الغريبة. والواقع أن الإنسان يمر بكثيرة من التجارب بعضها واضح وملموس ومسطح والبعض الآخر عميق وغامض وغير مفهوم، وثمة من يقدر على المواجهة والتحلي بالصبر للمضي إلى النقطة الرائعة التي سوف تكون عندها حقيقته المدهشة، ذاته هو لا غير، "ولسوف يعطيك ربك فترضى"، وثمة من يعجز ولا يقدر على المسايرة والصبر والمثول للالتزام إلى النقطة المضيئة. وبين هذا وذلك تكون الفروقات بين البشر، بين أناس مستغرقين في العادية والضجر وبين من يتعايش مع عالم آخر يحلم به حتى لو كان وهما ثم ينشد طريقه باتجاهه إلى أن يحققه ذات يوم، فالحياة على هذا الكوكب لم تكن ذات يوم إلا مجموعة التخيلات والأوهام كما ظن الرافضون والمستهزئون، ومن بين هذه التجارب المتناوشة يخرج الفيض من وراء السرابيل ليرسم فجرا إنسانيا جديدا كل يوم، إنه طاقة الكائن المتحرر.
emadblake@gmail.com

Comments

Popular posts from this blog

Mona Farouk reveals scenes of "scandalous video"Egyptian actress Mona Farouk appeared on

Mona Farouk reveals scenes of "scandalous video"Egyptian actress Mona Farouk appeared on Monday in a video clip to discuss the details of the case she is currently facing. She recorded the first video and audio statements about the scandalous video that she brings together with Khaled Youssef.Farouk detonated several surprises, on the sidelines of her summons to the Egyptian prosecution, that Khalid Youssef was a friend of her father years ago, when she was a young age, and then collected a love relationship with him when she grew up, and married him in secret with the knowledge of her parents and her father and brother because his social status was not allowed to declare marriage .Muna Farouk revealed that the video was filmed in a drunken state. She and her colleague Shima al-Hajj said that on the same day the video was filmed, she was at odds with Shima, and Khaled Yusuf repaired them and then drank alcohol.She confirmed that Youssef was the one who filmed the clips whil...

الحلقة 20 هنادي المطلقة والمحلل (ماذا قال كتاب العرب في هنادي)-----------Khalid Babiker

• الجنس شعور فوضوي يتحكم في الذات والعقل . وله قوة ذاتية لا تتصالح إلا مع نفسها . هكذا قال أنصار المحلل الحلقة 20 هنادي المطلقة والمحلل (ماذا قال كتاب العرب في هنادي) أول طريق عبره الإنسان هو طريق الذكر . بعدها شهق وصرخ . تمرغ في الزيت المقدس . وجرب نشوة الأرغوس . عاجلا أم آجلا سيبحث عن هذا الطريق ( كالأسماك تعود إلى أرض ميلادها لتبيض وتموت ) . وسيعبره . سيعبره بحثا عن الديمومة . وسيشهق وسيضحك . لقد جاء إليه غريبا . سيظل بين جدرانه الدافئة غريبا . وحالما يدفع تلك الكائنات الحية الصغيرة المضطربة في الهاوية الملعونة سيخرج فقيرا مدحورا يشعر بخيانة ما ( ..... ) . لن ينسى الإنسان أبدا طريق الذكر الذي عبره في البدء . سيتذكره ليس بالذاكرة وإنما بالذكر . سيعود إليه بعد البلوغ أكثر شوقا وتولعا . ولن يدخل فيه بجميع بدنه كما فعل في تلك السنوات التي مضت وإنما سيدخل برأسه . بعد ذلك سيندفع غير مبال بالخطر والفضيحة والقانون والدين . الله هناك خلف الأشياء الصغيرة . خلف كل شهقة . كل صرخة مندفعا في الظلام كالثور في قاعة المسلخ . الله لا يوجد في الأشياء الكبيرة . في الشرانق . في المح . ينشق فمه . تن...

Trusting Liar (#5) Leave a reply

Trusting Liar (#5) Leave a reply Gertruida is the first to recover.  “Klasie… ?” “Ag drop the pretence, Gertruida. You all call me ‘Liar’ behind my back, so why stop now? Might as well be on the same page, yes?” Liar’s face is flushed with anger; the muscles in his thin neck prominently bulging. “That diamond belongs to me. Hand it over.” “What are you doing? Put away the gun…” “No! This…,” Liar sweeps his one hand towards the horizon, “…is my place.  Mine!   I earned it! And you…you have no right to be here!” “Listen, Liar, we’re not the enemy. Whoever is looking for you with the aeroplane and the chopper….well, it isn’t us. In fact, we were worried about you and that’s why we followed you. We’re here to help, man!” Vetfaan’s voice is pleading as he takes a step closer to the distraught man. “Now, put down the gun and let’s chat about all this.” Liar hesitates, taken aback after clearly being convinced that the group  had hostile intentions. “I…I’m ...