شارل مالك والصراع الفعلي مع النصرة وداعش
جاد ابو جودة-
ساعياً إلى تقديم قراءة واقعية للهوية اللبنانية، يقول شارل مالك في إحدى كتاباته إن "التراث اللبناني يتجسد في سبع مؤسسات"، معدداً إياهاً على الشكل التالي: القرية اللبنانية، الوساطة أو أدب المعاملة، اللغة، المدرسة، الكنيسة، إضافة إلى الشخصية المذهبية السمحاء.
وفي هذا السياق، يقول مالك: "مع أن القرية اللبنانية تتميّز عموماً بطابع مستقلّ عن المذاهب الدينية، ومع ان الوساطة اللبنانية تتبع أصولاً وقواعد وتجسد تراثاً مستقلاً تماماً عن دعاتها وعناصرها، سواء أكانوا مسلمين أم دروزاً أم مسيحيّين، ومع أن اللغة العربية هي مؤسسة تراثية مستقلة في حدّ ذاتها، مع كل ذلك أقول، إن كلّ طائفة، سواء في القرية أو في المدينة، تحافظ على شخصيتها وتراثها الخاص، وتغار عليها كل الغيرة، في الطقوس والفرائض: في الأحوال الشخصية والحياة العائلية والشؤون التربوية والعلائق الاجتماعية، في الأسماء والأزياء (أسماء الأفراد والعائلات، وأزياء رجال الدين)، وحتى في الكتب المدرسية وأساليب التعليم وحياة المجتمع. ففي هذه جميعاً تتميّز البيئات الطائفية بعضها عن بعض، بتقاليد وعادات ونزعات ذاتية مستقلة".
ويشرح مالك فكرته قائلاً: "البيئة السنية تتميّز الى حدّ ما عن البيئة الشيعية، وكلاهما تتميزان عن البيئة الدرزية، والبيئات الثلاث تتميّز عن البيئات المسيحية، سواء أكانت مارونية أو أرثوذكسية، أو ما عدا هاتين من طوائف شرقية أو غربية. فالواضح في الواقع اللبناني أن كل طائفة تتمسك بشخصيتها، وتحتفظ بقيمها الخاصة، وتحاذر أن تطغى عليها أي قيم أخرى. الشخصية المذهبية اذن هي مؤسسة لبنانية يتجسّد فيها كلّ من الطوائف بخصائصه المستقلة، ولذلك يتعيّن علينا، لدى البحث في التراث اللبناني، على أنه شيء حقيقي باق وحيّ، أن نشدد ونؤكد على ما تختصّ به كل طائفة لبنانية من تقاليد وقيم غنية رائعة ومميزة، وأن نشدّد ونؤكد في الوقت نفسه على النظام المستقّر في تعايش هذه الطوائف".
ويضيف مالك: "إذا كانت الشخصية المذهبية في لبنان شخصية مستقلة، فإن صفتها الأساسية هي في كونها شخصية سمحاء تقوم على التعايش، والتعاون، والتسامح الخلاّق في إطار الاحترام المتبادل. إن لبنان بلد مؤلف من طوائف متعددة، وهذه المجتمعات المذهبية ذات شخصيات مستقلة تحرص عليها كل الحرص".
ويتابع مشيراً إلى أن "لبنان- كما يحدده جواد بولس- هو نظام فدرالي طائفي، أو اتحاد طائفي. وهذا النظام الاتحادي المتسامح، المنسجم، المتعايش بسلام، الناقض للحقد والتعصب والكراهية والعنصرية الدينية، هو أيضاً جزء لا يتجزأ من التراث اللبناني، يجب المحافظة عليه، والتخطيط المستقبلي لإنماء فضائله".
ويسأل مالك ختاماً: "أتريدون احياء التراث"؟ ليجيب: "إذاً، قوّوا روح الألفة والاحترام المتبادل بين الطوائف في لبنان، بالشعور الذاتي، وبالفكر والقول والفعل، وفي كل مناسبة، عندئذ نترك لأولادنا وأحفادنا مؤسسة تراث اجتماعي مستقر ثابت".
كم هو واقعي هذا الكلام، وكم ينطبق على واقعنا اليوم. وكم يبرز حقيقة التحدي بيننا كلبنانيين، وبين الظاهرات المتطرفة التي تعصف بالمنطقة. فالمواجهة الحقيقية التي نحن في خضمها اليوم ليست بين جيش هو الجيش اللبناني، ومجموعة متعصبة هي جبهة النصرة. وأساس المعركة الراهنة ليس بين حزب هو حزب الله، وتنظيم إرهابي هو داعش.
الصراع الفعلي اليوم هو بين هويتين وتراثين: الهوية اللبنانية وتراث شخصيتها المذهبية السمحاء، وهوية مغول القرن الحادي والعشرين وتراث شخصيتها عنصرية تجعل من الدين أداة موت على هذه الأرض، بدل أن يكون وسيلة عبور إلى حياة أبدية في السماء.
قالها شارل مالك قبل عقود، فلا بد لنا إزاء ما نشاهد ونسمع اليوم، أن نرددها معه كل يوم.
Comments
Post a Comment