Skip to main content

عن الفيتوري: أيها السائق رفقا بالخيول المتعبة بقلم الكاتب العماني رئيس تحرير صحيفة عمان سابقا / حمود بن سالم السيابي

عن الفيتوري:
أيها السائق رفقا بالخيول المتعبة
بقلم الكاتب العماني رئيس تحرير صحيفة عمان سابقا / حمود بن سالم السيابي 
___________________
بموت الفيتوري تهوي نجمة من سماء دارفور , وتنتحب دفوف الطريقة الشاذلية , ويتلعثم الاكورديون , ويضطرب السلم الخماسي للموسيقى السودانية , وتمتنع قوافل نياق السلطان علي ابن دينار عن المسير إلى الحجاز حاملة كساء الكعبة . 
وقد حملتني الاقدار في ثمانينيات القرن الماضي إلى بلد ( المامبو السوداني ) قبل ان يتشظى الى سودانين ، ومائة دويلة وقبيلة وإمارة . 
يومها كان جعفر نميري لا يزال ببزته الخضراء يملأ هضاب السافانا , ويهز بعصاه نمور السودان , ويزجر فهودها من أن تشرب من مياه نهر عطبرة . 
وكان رفيقا الرحلة بالسيارة من الخرطوم إلى ولاية كسلا , ديوان أغاني إفريقيا للفيتوري ورواية الهجرة إلى الشمال للطيب صالح . وكان خط السير بمحاذاة النيل الأزرق المتحدر من أثيوبيا وتحت قباب أشجار الدوم الباسقة كنخيل بلادي.
كل الوجوه التي تتابعت من مرآة السيارة البيجو التي أقلتني كانت قرمزية كوجه الفيتوري , وكانت بنية كبشرة الطيب صالح .
وحين تسرع البيجو تبدو هامات الرجال كأشباح ترتفع إلى السماء لتقطف الأنجم , وتبدو الصبايا بجحال الماء على رؤوسهن كأسراب غيم تستسقي ينابيع السماء .
وبينما تصطف المدن على خارطة الدرب بدءا بالخرطوم فأم درمان فحلفا وانتهاء بكسلا , كانت قصائد الفيتوري تشعشع هي الأخرى , كأناشيد محمد الوردي ومواويل عبدالكريم الكابلي .
والمسافر بالسيارة برا بين مدن السودان كالمتصفح للقصائد الفيتورية , ففيها السودان كله بريفه البكر , وصحرائه الساحرة , وأنهاره الحالمة , بل فيها أفريقيا السوداء المنغرسة كرمح على ضفاف المتوسط وحتى تكسر الأمواج في الرجاء الصالح . 
وفي كل دواينه ينام الخوف والإطمئنان على وسادة واحدة , وهو لا يتعب قارئه في التنقل بين الألوان , حيث يطغى اللون الأسود على لوحات قصائده , ولكن بفلسفة التدرج في الإستخدام بين لون الكحل ولون الذل , وبين رعشة الهدب وارتعاشة الموجوع من سياط الإستعباد , وبين لون الجدائل ولون القيود , وبين لون الظلام الذي يلقي بكلكله على صفحات النيلين الأبيض والأزرق , ولون الظلم الذي يعشعش القارة السمراء .
وفي قصائده تصطخب إفريقيا بطبولها وجنونها , وثورتها وتمردها , فيحتار المقارب لقصائده بين الاستمتاع بلون السافانا تغزلها الأنهار وقطعان الأيائل , وبين الخوف من تجار الموت وآكلي لحوم البشر , وبين صيادي الوحوش وتجار وحيد القرن , وأنياب الفيلة وجلود النمور . 
وفي قصائده تجمح إفريقيا بخيولها الوحشية , وعقبانها التي تلتقط طرائد بحجم الجواميس فتطير بها كساحرة تتشح الخرز والقرون وهي تنقل غنائمها لتحتفل بها مع أطفالها في كهف يتلفع غموض قارة أخرى . 
ورغم شيوع مقولة أعذب الشعر أكذبه , فإن قصائد الفيتوري تقلب المعنى ليكون أعذب الشعر أصدقه , فهو يكتب بليل إفريقيا وكحلها , وغموضها وذلها . فتتجلى في قصائده روح افريقيا الثائرة وأغانيها الراعفة , وأنهارها وسدودها , وطبولها التي تدفع النيل ليجري من فيكتوريا الى الابيض المتوسط . 
وبموته تتيتم إفريقيا , ولكن ساحرها الذي انبثق يوما من تراب دارفور , وتعلم الشعر من رغاء نياق علي ابن دينار , وعشق الأسود لون كساء الكعبة الذي يزف إلى الحجاز على هوادج من نور , سيعود إلى الأرض , لينغرس في باطنها تحت خف ناقة عربية مخضبة بحناء طينة نهر عطبرة وطمي النيل , وستورق أشجار قصائده لتجعل السودان أكضر اخضرارا .
وقد يرحل الفيتوري بجسده ولكن أغاني إفريقيا ستشعشع مع حفيف أشجار الدوم وارتعاشة السافانا وهي تطأطيء بشالاتها الخضراء لنسيم الهبوب . 
وقد عشنا رحيل الملك الضليل , ولكن سبط اللوى والدخول وحومل لم ترحل معه , ونعيش رحيل الفيتورى ولكن جبل مرة سيبقى شامخا في قصائده , وسيبقى شعره بقاء نقطة التقاء النيلين في مقرن الخرطوم , ورعود إفريقيا التي تنذر بغضب عطبرة , وتبشر بفيضان النيل . 
وتبقى صرخته أيها السائق معلقة بين السماء والأرض :
أيها السائق 
رفقاً بالخيول المتعبه 
قف .. 
فقد أدمى حديد السرج لحم الرقبه 
قف .. 
فإِن الدرب في ناظرة الخيل اشتبه " 
هكذا كان يغني الموت حول العربه 
وهي تهوي تحت أمطار الدجى مضطربه 
غير أن السائق الأسود ذا الوجه النحيل 
جذب المعطف في يأس 
على الوجه العليل .. 
ورمى الدرب بما يشبه أنوار الأفول

Comments

Popular posts from this blog

Mona Farouk reveals scenes of "scandalous video"Egyptian actress Mona Farouk appeared on

Mona Farouk reveals scenes of "scandalous video"Egyptian actress Mona Farouk appeared on Monday in a video clip to discuss the details of the case she is currently facing. She recorded the first video and audio statements about the scandalous video that she brings together with Khaled Youssef.Farouk detonated several surprises, on the sidelines of her summons to the Egyptian prosecution, that Khalid Youssef was a friend of her father years ago, when she was a young age, and then collected a love relationship with him when she grew up, and married him in secret with the knowledge of her parents and her father and brother because his social status was not allowed to declare marriage .Muna Farouk revealed that the video was filmed in a drunken state. She and her colleague Shima al-Hajj said that on the same day the video was filmed, she was at odds with Shima, and Khaled Yusuf repaired them and then drank alcohol.She confirmed that Youssef was the one who filmed the clips whil...

الحلقة 20 هنادي المطلقة والمحلل (ماذا قال كتاب العرب في هنادي)-----------Khalid Babiker

• الجنس شعور فوضوي يتحكم في الذات والعقل . وله قوة ذاتية لا تتصالح إلا مع نفسها . هكذا قال أنصار المحلل الحلقة 20 هنادي المطلقة والمحلل (ماذا قال كتاب العرب في هنادي) أول طريق عبره الإنسان هو طريق الذكر . بعدها شهق وصرخ . تمرغ في الزيت المقدس . وجرب نشوة الأرغوس . عاجلا أم آجلا سيبحث عن هذا الطريق ( كالأسماك تعود إلى أرض ميلادها لتبيض وتموت ) . وسيعبره . سيعبره بحثا عن الديمومة . وسيشهق وسيضحك . لقد جاء إليه غريبا . سيظل بين جدرانه الدافئة غريبا . وحالما يدفع تلك الكائنات الحية الصغيرة المضطربة في الهاوية الملعونة سيخرج فقيرا مدحورا يشعر بخيانة ما ( ..... ) . لن ينسى الإنسان أبدا طريق الذكر الذي عبره في البدء . سيتذكره ليس بالذاكرة وإنما بالذكر . سيعود إليه بعد البلوغ أكثر شوقا وتولعا . ولن يدخل فيه بجميع بدنه كما فعل في تلك السنوات التي مضت وإنما سيدخل برأسه . بعد ذلك سيندفع غير مبال بالخطر والفضيحة والقانون والدين . الله هناك خلف الأشياء الصغيرة . خلف كل شهقة . كل صرخة مندفعا في الظلام كالثور في قاعة المسلخ . الله لا يوجد في الأشياء الكبيرة . في الشرانق . في المح . ينشق فمه . تن...

Trusting Liar (#5) Leave a reply

Trusting Liar (#5) Leave a reply Gertruida is the first to recover.  “Klasie… ?” “Ag drop the pretence, Gertruida. You all call me ‘Liar’ behind my back, so why stop now? Might as well be on the same page, yes?” Liar’s face is flushed with anger; the muscles in his thin neck prominently bulging. “That diamond belongs to me. Hand it over.” “What are you doing? Put away the gun…” “No! This…,” Liar sweeps his one hand towards the horizon, “…is my place.  Mine!   I earned it! And you…you have no right to be here!” “Listen, Liar, we’re not the enemy. Whoever is looking for you with the aeroplane and the chopper….well, it isn’t us. In fact, we were worried about you and that’s why we followed you. We’re here to help, man!” Vetfaan’s voice is pleading as he takes a step closer to the distraught man. “Now, put down the gun and let’s chat about all this.” Liar hesitates, taken aback after clearly being convinced that the group  had hostile intentions. “I…I’m ...