Skip to main content

حاتم بابكر عوض الكريم-اتون النار--- رواية-- سيرة الموت المجاني



حاتم بابكر عوض الكريم-اتون النار--- رواية-- سيرة الموت المجاني 

 الجزء السادس


-       أرجوك مادوت أن تكون صريح معي وان تقول ليّ الحقيقة ولا تخفي أفكارك وراء الكلمات النمطية فأنا ثقتي فيك بلا حدود لأنيَّ أؤمن أنك قادر أن تعطي حياتي قيمة وحيوية .
ذابت الكلمات في الصمت مع ضوء الشمعدان فانقطعت الكلمات وتلاقت الأرواح مع أشعة الفجر المتسربة عبر النافذة ففاحت روائح العطور ودفء الحيوية .
قرأت هاله أمام الحضور في حفل قران مادوت وباربرا قصيدة أثارت جدل عميق مع ابنة عمها هناء التي ركزت على المقطع من القصيدة :
صمتت طبول الحب في قيح الجراح
فاستيقظ المصلوب ضعفاً في أعماقنا
فتحرك..........................
............فتقدم...............
...................فلمس أحلامنا
فلم ندرك الصباح ولم نتجاوز البطاح
فوهنت القلوب ولم نبلغ حب الفداء
فلاذت العيون بالبكاء متكئة على الخرائب الكئيبة
يا مطر الصحراء أهطل فقد آن الأوان
يا مطر الصحراء حطم ألحان الأغنيات الهلامية
يا مطر الصحراء أطلق حمامات الروح
لتعبر المدائن متجاوزة البحيرات الراكدة
يا رياح الاستواء الغامضة حركي النفوس
امنحيها آيات الأمل وأماني الانتصار
كان نقاش هاله مركزاً في نقطة واحدة تفترض أن هاله كتبت القصيدة تحت تأثير فشل علاقة حب مجهضة يبدو أنها تصورت أن هاله كانت على علاقة حميمة بمادوت تسبب في صدمتها مما تسبب في تعبيراتها الحزينة أفكار هناء كانت مفاجئة لهاله فلم تكن تتصور سوء تقديرها لقصيدتها يقودها إلى الاتهامات غير المحددة . يبدو أن هناء كونت اعتقاد خاطئ من لتواصل الحميم الذي ساد بين هاله ومادوت . لم تكتفي هاله بإستيعاب طريقة هناء لكنها دخلت معها في مناقشة هدفت منها تصحيح إعتقاداتها.
-       القصيدة تبوح بمشاعرك التي سكتي عنها فلم أتصور أنك تفتقري لضبط النفس فتكتشفي مشاعرك بهذا القدر الواضح .
ردت هاله على هناء باستغراب
-       لم افهم شيء مما تقولي ماذا تقدي ؟
-       تحمل القصيدة مشاعر كثيفة مجهضة وهي تصور شكل علاقة منهارة لأن فيها عاطفة حب قوية تبكيها الكلمات أشعر أمك مجروحة تعاني من أثار علاقة فاشلة .
-       يبدو أنك قاسية أكثر مما تصورت ؟ لولا تعرفي شيء؟
-       الكلمات تفوح منها المشاعر المحبطة والعواطف المهزومة لا أجد معنى لكلمات صمت طبول الحب في قيح الجراح ـ غير أنها تعبر عن عاطفة مجروحة
-       اعتقد أن طريقتك في تناول الأدب فيها إسقاط الذاتي على الموضوعي
-       ما علاقتك بمادوت؟
-       مادوت مجرد صديق أنظر إليه كأخ ولا أعتقد أن في ذلك مشكلة تستدعي كل تلك التصورات الغامضة
-       لنكون صريحين أليس بينك ومادوت علاقة عاطفية ؟
-       ما هذا اللغو الغريب ، كيف تفكري هكذا ؟
-       الم تكن تربطكم علاقة إعجاب تطورت إلى حب فارتباط
-       قد يكون هناك إعجاب وقد يكون هناك حب أخوي لكن لم تخطر ببالي فكرة ارتباط بمادوت فأنا كنت طرفاً في علاقة مادوت وباربرا حتى توجت بهذا القران.
-       ماذا عن القصيدة ؟
-       هذه القصيدة تتناول موضوعات متباينة ذات صفات وجودية ليس فيها ما يتصل فيها بالمشاعر الشخصية اقدر أنها لا يخرج عن المشاعر والعواطف الأخوية
-       اعتقد أن القصيدة تحمل معاني الحزن والصدمة في الحبيب .
-       لا أعرف أنك ناقدة جيدة للشعر ولكنك تحاولين التعبير عن ملاحظة قديمة تتمثل في تفاعلي وانفعالي مع مادوت فقدرتي خطأً أنها مؤشرات علاقة عاطفية مهما يكن تهمتي معرفة لما يدور بخاطرك فالأمر غير ذلك.
-       في تقديري أن التفاعل لا يشكل مادة جيدة للاتهام لكني كما قلتي لاحظت إهتمامك بمادوت فقدرت أنه تطور إلى صداقة فتطورت إلى حب يبدو أني نظرت إلى قصديتك بهذه الخلفية وحسبت أنك ضبطي عواطفك فظهرت في القصيدة .
-       الأمر على عكس ذلك لم نسمح لصداقتنا أن تتجه أي اتجاه غير الحب الأخوي وظلت هكذا دون تبدل فالحقيقة الموضوعية أن باربرا ومادوت صارا زوجان فلنتمنى لهما التوفيق والفلاح .
****************************************
لاشتغال باربرا بالطب لنفسي فقد كانت تتعامل مع مرضاها وتتفهم آلامهم ذلك لم يكن السبب الوحيد فهي ابنة الألم والمعاناة فقد اختبرت العذاب في مراحل مختلفة من عمرها لذلك وضعت في قمة أولوياتها مساندة الذين هم في ظروف المعاناة فباربرا أدركت الم فراق الأحبة عندما طالت يد الموت أسرتها الصغيرة فخطف أخويها الأكبر عندما أصيبا بالملاريا الخبيثة المنتشرة في روديسيا التي ولدت فيها فقد كان والدها يقضي فترة عمل طوعي في روديسيا مكافحاً الأمراض الاستوائية مما يضطره إلى الذهاب إلى الأرياف النائية كجزء من أعمال جمعية التراحم الدولية التي تعلم في مجال رعاية الطفولة ومكافحة الإمراض المستعصية . كان رحيل إخوتها الأكبر نقطة تحول حادة في شخصية أما التي ما انفكت تبكي وتبث حزنها حتى أن باربرا صارت تعتقد أن الموت قريباً جداً من أفراد أسرتها بل هو الحقيقة الأكثر موضوعية حتى أنها لم تصاب بالدهشة عندما زاد الألم جرعته على أسرتها حين احترق أبوها في طائرة كان يستقلها للوصول إلى المرضى في القرى النائية تصادف أن كانت الظروف الجوية غير مواتية بسبب الأمطار الاستوائية فتحطمت الطائرة لم تكن باربرا صغيرة جداً بالدرجة لا تعرف فيها معنى الموت لكنها لم تكن كبيرة بالدرجة التي تفهم فيها لماذا جاء بهم أبوها من كوبيك إلى غابات إفريقيا فالذي أدركته فيما بعد أن أباها كان يتقاضى راتباً جيداً من جمعية التراحم الدولية ينفق معظمه على الفقراء وشراء الأدوية والأغذية لمرضاه فقد كان مسيحياً مؤمناً للحد الذي يعيش الكفاف فما عرفته من أمها أنهم لم يكونوا في حاجة أبداً فقد اعتاد سكان القرى المجاورة أن يمدوهم باحتياجاته من الخضر والفواكه من أفضل ثمار مزارعهم فتقبل الأسرة تلك العطايا بقلوب راضية بر حساسية . كانت باربرا ابنة العاشرة حين مات أبوها فقد استيقظت على الأصوات الضاجة فقد كانت أمها تبكي بحرقة جاثية على الأرض نابعة من عينيها أنهار من الدموع الساخنة وهي تردد كلمات روحية توحي بالحزن كانت بريسكا جارتهم زوجة الطبيب الفرنسي التي تعمل معلمة في مدرسة الإرسالية الداخلية تحاول شد عزمها بطريقتها الصارمة المميزة فقد كانت بريسكا امرأة ضخمة الجثة مستديرة الرأس انفها مستقيم بارز وجهها فيه نمش لك يكن أمام باربرا الصغير مجال سوى التورط في العويل والبكاء فاستجابت لحالة الحزن التي أحاطت بالمنزل بصرخة داوية جعلت بريسكا تترك الأم وأمسكت بالطفلة الصغيرة فشعرت باربرا بنعومة المرأة الأربعينية المترهلة وأحاطتها بذراعها فاستسلمت لها واكتفت بمواكبة أمها في البكاء مؤلفة نغماً مركباً منسجماً على حين غرة اندفعت بريسكا بباربرا وسط الرجال الذين جاءوا يحملون التابوت الذي كان يرقد فيه والد باربرا كان الذين يحملون التابوت خليطاً من البيض والملونين والسود الفلاحين وذوي المعاطف الرسمية ما تذكره باربرا عن ذلك اليوم الحزين أنها كانت تشعر بالضيق من كثرة الناس الذين جاءوا بالتابوت أكثر من إدراكها لمعنى فراق الأب فقد حدثتها بريسكا أن أبوها انتقل للسماء ليلاقي إخوتها ومريم ويسوع . أمرتها بريسكا أن تنظر إليه لتودعه الوداع الأخير حتى تلتقي به في السماوات مع القديسين كانت بريسكا تثرثر معها :
-       لقد رحل أبوك في عز صباه فقد رحل يافعاً شاباً .
انهمرت الدموع من عيني باربرا فأخذت تردد ما تعلمته من أدعية وصلوات .
أبونا السماوي ليكن أسمك مقدساً لتكن مشيئتك في الأرض كما هي في السماء اغفر لنا ذنوبنا كما تغفر لأعدائنا فلك القوة والمجد إلى الأبد .
لتكن معك نعمة المسيح ومحبة الله وشركه الروح القدس .. طوبى للحزانى فأنهم يعزون ..
سايرت باربرا بريسكا في كل ما تفوهت به من جمل دينية :
الرب أعطى والرب أخذ لا حزن لمن رحل إلى السموات .
 كانت باربرا خائفة غير مهمة بتعابير من حولها وهي لا تعرف مدرسة الإرسالية الداخلية ركزت باربرا على جثمان أباها المسجي في التابوت فآخر عهدها به عندما فارقهم ووجهه يفيض بشراً وسعادة فالآن تشاهد للمرة الأخيرة جسداً متفحماً محترقاً تكاد تنكره حاولت أن تلتصق به وتقبله أمسكتها بريسكا وأبعدتها عن التابوت ومازالت باربرا تكرر مع بريسكا كلمات دينية :
أبونا السماوي لتدم فينا نعمة المسيح ومحبة الله وشركة الروح لتحفظك ياجون أرواح القدسيين والعذراء مريم فلتكن رحمة الله العي معك ترفعك إلى الجالس في المجد لتدخل ملكوت السموات حتى تنعم بشركة المسيح والرسل والشهداء والقدسيين .
****************************************
عادت باربرا إلى كويبك بعد رحيل راعي الأسرة تعلمت بقسوة التعامل مع ثقل الألم . كانت باربرا كلما كبرت اكتشفت افتقادها ليد الأب الرحيمة الحانية فازداد الحزن عليها عندما رحلت الأم وباربرا مازالت طالبة في أول عتبات مدرسة الطب يبدو أن اختيارها القاسي مع الألم جعلها تهتم بمعاناة مرضها بتفصيل دقيق .
اهتمت باربرا بمادوت وتفهمت ظروفه الخاصة باعتباره عائداً من عمق الحريق فقد أعطته مساحة خاصة في نفسها كل ذلك وغيرة حرك في أعماق مادوت مشاعر مختلفة جعلت من باربرا محور حياته ومدار تفكيره فصارت غرفة باربرا لمادوت غرفة تجميع الطاقة لمواجهة الحياة حتى أنه أعتاد أن يرسل لها الرسائل الالكترونية عندما يجدها مشغولة أو لا يتسع وقتها للقائه . من تلك الرسائل الالكترونية تعرض أجزاء محدده ورد باربرا عليها لنتابع علاقة مادوت وباربرا من خلال الظروف التي أحاطت بها :
عزيزتي باربرا كنت معك في الفجر وهانذا اكتب إليك لأعرض عليك ما استجد عندي رأيت أن أشاركك فيها .
قال المتشائمون لا خلاص أمر إلا بالتخلص من حياتهم . سيدتي أتعتقدي مثلي أن الحياة عبث وشقاء وأنها تفضي من العدم إلى ضياع لا محدود فالإنسان يعيش وهم التعمير والبناء فيحاول أن يقنع نفسه بأنه المالك للوجود وهو الفقير التافه ـ فلأجل تطلعاته الدنيئة يقتر ويحرق ويحطم كل شيء بلا استثناء فهل نحن ـ أنا وأنت خارج هذا القانون أم ترانا نعيش وهماً أكبر محاولين صياغة الكون وفقاً لهوانا فنجد أنفسنا تمارس عبثاً أحمقاً أكبر مغلفاً بأهداف نبيلة فلا تتاح لنا الفرصة حتى نجد أنفسنا نكرر ما فعلناه في القديم ويفعله عتاة الطغاة الآن فنحطم مخالفينا بالقوة الناعمة أو بنعومة القوى أرى أننا كلنا في الوهم سواء فكلنا سجناء في دواتنا حيث الخيارات الرديئة .بنظرة ثاقبة نحن جميعاً متشائمون بدرجة كا لذلك علينا التخلص من ثقل الأجساد ورهقها.
عزيزتي حفت شجرة الحياة وتساقطت أوراقها وتخشبت الساق والفروع حتى الجذور يبست فلم يعد يؤثر فيها الماء لأنها صارت متعفنة ميتة فكيف نفهم إنسانية من يوزع السموم للأطفال أو يطلق قنبلة على حافلة ركاب أو يطلق صاروخ على بيت عبادة معبد أو كنيسة أو يدمر مقهى أو ملهى أو مستشفى ؟ أرى الزمن الذي نحيا فيه مأقوناً ملوثاً بخيوط الآثم الناعمة لأن الناس صلبوا العقل بعيداً عن القرار فلم يعد بمقدورهم اللجوء للذي تركوه في الصليب ليخلصهم من رغباتهم لأن به وحدة الخلاص.
من عادات باربرا أنها لا تتجاهل رسالة من مادوت فكانت ترد على كل ما يرد في الرسالة بوضوح جاد دون مجاملة هذا ما أثرى علاقتها بمادوت فهي تعتقد أن الحوار أفضل وسيلة لتهذيب الأفكار ومعالجة الاختلافات يؤسس قاعدة راسخة للتصالح . ما يميز رسائل باربرا إلى مادوت أنها كانت محشوة بالاطمئنان لأنها تعتقد أن مادوت حاصر نفسه فيد ذاته ولا سبيل له إلا بتبديل أفكاره ونظراته كانت تعرف باربرا تميز مادوت وقدرته على التفاعل مع من حوّله فكتبت له رسائل عديدة نأخذ منها مايلي:
عزيزي مازلت أقر رسائلك التي دائماً ما أجد فيها من الجديد ما يبعث الثقة فيك فالذي أرفضه أنيّ أشعر أنك تعيش في دوامة من اليأس تعبر عنها كلماتك فالإحباط أدخلك في دائرته اللانهائية التي تخترق الكون الواسع العريض بأبعاده المختلفة صار عندك ضيقاً كحذاء ذاك الجندي الأحمق الذي أكتشف ضيق لحذاء فلم يجرؤ على تغييره محتفظاً به في رجله لأنه معجب بلمعان طلائه فظل في رجله الحذاء حتى عرضه للهلاك لأنه أعاقه عن التركيز فوقع في حقل ألغام تسبب في بتر ساقه.
عزيزي أعجبتني طريقتك في التفكير ولكن أحذرك من أن تظل قابعاً متحصناً بالعزلة التي حتماً ستدفعك للاستسلام للأغلال والقيود فأنت في حاجة إلى استنفار إرادتك فأن فعلت فسيكون من الميسور عليك تحرير إرادتك بالانفتاح . عزيزي أحيانا ينتابني شعور بأنك تهوى تعذيب ذاتك فالبديهي أن تفعل ما يسعدك لكني أراك تفعل ما يربكك ويقلقك يبدو أنك مستسلم للمانعة غير الضرورية فمن المهم قبل أن نسلك بحرية أن نفكر بحرية ونتعامل مع كل المعضلات الشائكة ببساطة بعد ذلك ستجدها في مكانها الصحيح.
عزيزي لا أختلف معك أن الحياة قاسية لكنها ليست بتلك القسوة التي أجدها في تعابيرك عزيزي أدعوك لإعادة النظر في كل قضية مره ومرتين ستجد أن هذه الدنيا بكل عيوبها رائعة بسيطة فإذا نظرت بعين الرضا تكون الأشياء بسيطة وسهلة أما إذا أردت تغير الدنيا من حولك فلن تفلح في التعاطي معها لهذا أرجوك تغير زاوية نظرك فستجد الدنيا من حولك متغيرة فأنت تستند في تبرير تشاؤمك على الظروف القاسية التي عشتها في لحظة ما إذا كانت تلك الفرضية صحيحه فآنت تعلم أني عشت الألم نفسه وتجرعت بصعوبة المعاناة لكن بالصبر أعدت تشكيل نظراتي للأمور بإنفاذ الإرادة تجاوزت أن أكون إنسانة متشائمة متحطمة كان ذلك عندما أعدت ثقتي في الناس وفي نفسي فصرت انتقل من قوة إلى وعي عزيزي مادوت أرجو أن تعيد النظر في سلوكك ومواقفك فستجد أنه لا مبرر للقلق على مستقبلك الشخصي أو مستقبل البشرية أو مستقبل الدنيا فالذي يقلق هو أن تترك نفسك فريسة اليأس والإحباط فملاحظتي الدائمة أكررها لك : أنك بإصرار غير المبرر تدور في دوائر الحزن والتشاؤم ولا خيار لك إلا أن تنظر للدنيا بقلب مفتوح واثق من الوصول لكل ما تريد  دون جهد أو عناء فإذا فعلت فستجد الأشياء هي التي تبحث عنك وتسير إليك لا أنت الذي تذهب إليها باحثاً .
****************************************

تواصل باربرا ومادوت تتطلب تصديهما ومشاركتهما وتقريب فهمهما لبعضهما البعض فقد ظل مادوت دفاعياً مما خلف أجواء من التوتر والمعارك غير الضرورية فباربرا كانت تبحث عن التفاهم والثقة وأن تجد عنده التطمينات.أما مادوت فقد كان يميل للتبريرات والتفسيرات الروتينية لأنه دائماً ما يحاول حلها بقوة إرادته فكان يفترض أن باربرا تقمع مشاعرها أو تحبسها في إطار تصوراته أو حتى تغيرها لتطابق تصوراته لكنه تغير بعد أن أبحر في مزالق المواجهات والمناقشات والحوارات التي تتناول كل القضايا المعلنة والمسكوت عنها ففي أحداها همست باربرا في أذن مادوت:
( كنت أشك عن أنك جاد في رغبتك في التخلص من نفسك لنيَّ أعرف أنك تؤمن أن الكون متناقض ولا أمل في انسجامه أما بعد أن أنصت إليك عرفت أنك لا تعبر عن خيبة الأمل والسأم فقد كنت أعتقد أنك مشوش تماماً لأنيّ شعرت من كلماتك أنك تميل في تفكيرك أن تجعل من المال الحل لكل المشاكل صحيح أنه عصب الحياة وقيمتها ولكن اعتباره جوهر المشاكل ربما يدفع لارتكاب حماقة أو مغامرة يخسر فيها بعض الناس حياتهم. هذا ما يدفعني لدعوتك للتراجع عن تلك الفكرة القاتلة كما أرجو منك عدم الإصرار على رأيك كما أرجوك إلا تكشف انطباعات لغيرك حتى يصل مستمعك فكرتك ولا يتصور أنك لا تملك القدرة على مسامحة نفسك والمغفرة لغيرك أو أنك مستعد أن تدفع كل شيء لتجاوز الشعور بالذنب.
نشأت علاقة باربرا ومادوت في مساحة من التفاهم الذهني الصارم ذلك لأنها تأسست كعلاقة تطورت من صداقة واسعة ضمتها هي وهاله ومادوت فالحقيقة أن هاله مادوت كانا أكثر انسجاماً وتواصلاً مما حقق أرضية لحوار ذهني جاد هيأ لباربرا أن تكون جزء من هذه الوحدة الفكرية القائمة على الحوار التفاعلي المناهض للظلامية بدأ هذا الترابط عندما قررت هاله أن تعرف مادوت باربرا فقد اسحبا من اجتماع رابطة الطلاب بهدوء واتجها لشقة الدكتورة باربرا كي يعرضا عليها كطبيبة نفسية معاناته مع الكوابيس فقد كان مادوت مضطرباً بشكل صارخ ففطنت هاله لحالته فلم يكن من المجدي تناول حالته مباشرة لأن ذلك لن ينتج عنه تهدئتها وتطمينها وتفريغها من ارتباكها وقلقها بإعمال طريقتها الخاصة في صرف ذهنه وتوجيهه نحو الموضوعات العامة . فاتجهت به لموضوعات مهتم بها مثل تحرك المثقفين بعيداً عن التقوقع باعتبار أن الهوية العرقية لا يمكنها بحد ذاتها أن تشكل دائماً قاعدة للتلاقي لقوى مقاومة برغم أنها توفر مصدر دعم وقوة فتفاعل مادوت فهذا ما أرادته هاله من تلك الإيماءة الفكرية فقد ناقشت مادوت في تلك القضية أكثر من مرة وعبر بصرامة عن اعتقاده حول مثقفي الجنوب الذين يفترض أنهم يعانون من ترهل في علاقتهم بهوياتهم وأنهم جزء من المشكلة بصمتهم وعجزهم وانصرافهم فهم في اعتقاد مادوت ليسو جزء من حل المشكلة وجدت مادوت نفسه يناقش هاله بحماسة زائدة حتى أنه نسي قلقه وارتباكه حين عبر عن أفكاره بقوله :
 الاهتمام بالهوية لا يعني مجرد الاحتفال بالتراث فللهوية معاني تتضمنها النشاطات الملتزمة في مفهوم ثقافي متعدد  ليس فيه خصوصية عازلة للجنوب والشمال .
عندما أوضح مادوت فكرته حول الترهل الفكري والجمود في نظرات مثقفي الجنوب كانا قد أدركا المبنى الذي تقع فيه شقة باربرا فاجتازا بوابة المبنى وصعدا لموقع شقة باربرا في الطابق الثاني فقرعت هاله الجرس فكانت باربرا تستقبلهم عند مدخل الشقة فدلفا معها لصالة الاستقبال وجدا باربرا فتاة لبقة تجيد فن الاستضافة فعرضت على ضيفيها المشروبات الغازية والشاي فبادرت هاله بإبداء رغبتها في مشروب البيبسي وطلب مادوت مشروب الكوكاكولا .. منذ ذلك اللقاء تطورت علاقة باربرا ومادوت طردياً وتخطت كل الحدود والتقديرات فلم تقف تلك العلاقة عند حدود طبيبة ومريض فاتجهت لأعماق أكثر بدأ الأمر حين عبر مادوت عن قلقه هكذا:
( أشعر بالتعب الذهني من الصراعات الحمقاء التي تجتاح الدنيا بأسرها وتمزق الأفراد والمجتمعات، فأجد نفسي في جدال ومحاورات محكوم عليها بأني مدان وموبخ بانتظار الادانه.. آمل عبثاً أن يأتي من هو قادر على قلب مجرى الأحداث فيتدخل بحماسة وكرم ليخرجني من هذا التوتر الناجم عن الأوضاع المتردية لكنه قطعاً إذا ظهر لن يوجه نظره إلينا فالآن اعترف بسوء تقديري إذا أني أنفقت أفضل أيام العمر ابحث عن شيء لا وجود له فانزلق في التوتر هو حظي ونصيبي ولا يملكون شيء لتغييره فيقولون أنه المكتوب)
****************************************
أثناء تواجد باربرا في باريس لحضور مؤتمر طبي تعتقد أنه سوف يؤثر على ارتقاءها المهني فهو يعد حدثاً في غاية الأهمية لأنه المناسبة التي ستعرض فيها بحوثها في تلك الأثناء اضطر مادوت بريدها الالكتروني بوابل من الرسائل الوجدانية ذات العواصف الكثيفة حتى أن باربرا تشككت في أنها أطلعته على أهداف رحلتها العلمية فليقين الذي لا يقبل الشك أنها أرسلت له رسالة قصيرة جاء فيها مايلي :
مادوت
حاولت ألتقيت فلم أوفق ـ عزمت السفر لباريس لمؤتمر أطباء بلا قيود فهناك سأقدم أطروحتي التي توصلت لها من خلال بحوثي حول إثراء الأسبوع الأول في حياة الطفل على محمل حياته وقراراته فهي مادة علمية جديدة كفيلة بهدم نظريات علمية راسخة .
هذا المؤتمر بالنسبة لي هو دفعة ضرورية انتظرها لتحقيق بعض أحلامي . حافظ على نفسك حتى أعود إليك.
في الفترة التي قضتها باربرا في باريس أدرك مادوت معاني الألم والمعاناة ففهم إنهما حقيقتان لا يجدي الهرب منهما ربما لهذا أو لأسباب أخرى في نفسه أمطر بريدها بالرسائل الالكترونية التي تحمل في طياتها الكثير المقلق المربك فقد طرح في رسائله أفكاره بروح وديعة تعني أنه يعيش ألم البعاد فصار يشكل حياته منجذباً نحو أبعاد حميمة لم تكن في تصوره واهتمامه فقد أصبح يشعر بأنه أكثر حوجه لباربرا. يبدو أن باربرا عندما ابتعدت لباريس وصارت المسافة بينها وبينه اكبر أدرك مادوت أهمية دورها في حياته وأن غيابها شكل له فراغ لا يعوض وفجوة لا ردم لها لكنه يعتقد أن الرسائل تعوض بعد المسافة لهذا أثر أن يبوح بما يشعر من خلال البريد فأرسل رسائل عديدة نختار منها هذه العينة :
عزيزتي باربرا
افتقدك بعد أن اخترت الطريق المفضي للأعماق لهذا أحاول أن أتجرأ فأبوح إليك بما توصلت إليه فاني بعت كل شيء واشتريت نفسي أقصد انتمائي لك . عزيزتي غيابك علمني أن أتحرر من عبادة نفسي وطاعة أحلامي ولن يكون ذلك غلا بالاعتراف بما في داخلي فلم تعودي بالنسبة لي طبيبة وصديقة فقد أدركت أنك طاقة الشجاعة عندي واتجاه الترقي باختصار أنتي كل شيء في حياتي ودون أن ادري نمت في قلبي بذرة حبك فلم انتبه لها إلا بعد أن صارت شجرة عظيمة لها ثمارها الناضجة فقد اختبرت الم البعاد حتى أني عرفت لا سبيل للسعادة إلا بقربك فوجدتك أنت وحدك من يعمل في أعماقي القلقة ويرتب أفكاري المرتبكة .عزيزتي أتعلمين أني كنت أحمقاً ساذجاً حين أطعت التردد فصار حاجزاً فاصلاً بيننا ثم اتسعت المسافة لهذا أول ما ابدأ به هو أني احبك احبك احبك . عزيزتي من صبرك عليّ وطول أناتك تعلمت معنى الحب غير المشروط اذكر جيداً انك رويتي لي قصة الرجل الذي مات لأجل قطه لأنه كان مستعداً أن يدفع بحياته ثمناً لحياة القطة فبعد أن انقد كل أثاث بيته وزوجته وأطفاله أدرك أنه مازال في البيت من يستحق الإنقاذ قطته الصغيرة فدخل البيت بحثاً عن القطة كان مستعداً أن يدفع حياته ثمناً لحياة القطة فالحب لا معنى له إذا لم يفهم أنه العطاء والبذل والتحرر من رغبات الذات الأنانية تفاعلاً مع الآخرين .
عزيزتي باربرا أن بريق عينيك يسيطر عليّ كلياً حتى أني لا املك القدرة في التفكير إلا فيك . أين أنت ـ ماذا تفعلي الآن متى تعودين هل تعلمين انك تسربت في دواخلي رويداً رويداً حتى أني بت اشعر بك في وجدني وما تكنه لك نفسي من مشاعر أبوح إليك بحبي تجاوزاً لسلطان الخوف فالحق أقول لك لم اعد قانع بالصداقة والاهتمام الأخوي  ارغب في الانتماء إليك بالكامل .
عزيزتي مشاعري تجاهك كبرت وتعاظمت للدرجة التي أعجز فيها عن ابتلاع لساني لن ارهن مشاعري للقلق والمخاوف لا لن استسلم للصمت الجبان فأنا احبك احبك وحدك لا سواك .
باربرا كانت تعلم بحقيقة مشاعر مادوت لهذا ركزت في ردها على رسائله بإبراز مشاعرها تجاهه نختار هذه الرسالة من مجموعة الرسائل المتبادلة بين باربرا ومادوت.
عزيزي مادوت
لا أدري ما أكنه لك من مشاعر أهي مشاعر الحب أم شيء أعمق من الحب ، فالحقيقة أني احبك لكن المهم أن تعرف أني إنسانه عادية جداً لا أتميز عن بنات حواء بشيء إضافي إن لم أكن أنقصهن الكثير من المميزات فانا لا ينقصني الجمال ولكني لست فاتنة أو جذابة بالقدر المبالغ فيه فما املكه في عمق قلبي الحب الذي استطيع أقدمه لكل الناس العدو قبل الصديق . أنا أحب الناس دون شروط ربما يرجع ذلك لشعوري باني قاسيت الوحدة والحرمان وعرفت أهمية الحب أدركت بعد صراع مرهق أن الحياة زقاق ضيق لا يحتمل كل تلك المشاعر الأنانية التي يخبئها الإنسان في جوفه فمنذ أن أدركت ذلك لم أكلف نفسي البحث عن قلب يحتملني لأنيَّ قررت أن افتح قلبي للكل فوجدت نفسي في قلوب الكل لا أعاني المزاحمة ـ منذ أن أدركت ذلك لم اعد أركض خلف الأماني السراب .
عزيزي مادوت افعل مثلي اترك كل شيء وبادل الناس جميعاً الحب فانا تركت كل شيء وبدأت أعيش الحياة بقلب صادق وضمير مخلص فما ندمت أبداً فإذا فعلت ستجدني دائماً معك في قلبك كما أنت في قلبي.
في رسالة أخرى كتبت باربرا لمادوت :
عزيزي أهنئك لأنك إستطعت أن تحل عقدة لسانك فعبرت عن مشاعرك تجاهي فكتبت ما تشعر به فنحن بحاجة لنتحدث نعم بدلاً عن الكتابة . أنا لا أتهرب لكن ابحث عن قالب أفضل نسمي فيه مشاعرنا أقول لك أني احبك ولكن لا اعرف من أين أبدأ ولا املك أسلوبك في التعبير ولم أتعلم تنميق المفردات لهذا أود أن التقيك لأحدث بمصطلحاتي العادية البسيطة .
من خلال علاقة مادوت بباربرا أدرك أنه كان عالقاً في الأوهام حيث الشعور بالذنب فالحب غرس في أعماقه الأمل الرجاءات ففارقه الخوف الارتباك والقلق .
تسربلت الدكتورة سارة في رحلة العودة إلى مريال بالتفكير العميق الذاهل . نظرتها  كشفت أبعاد القلق والارتباك اللذان يدوران في أعماقها ربما أنها تتعامل مع مشروع العودة لمريال كانزلاق حاد في منحنى التوتر . ضغطت سارة يدي ووَّل دون قصد نقلت ما تعانيه من اضطراب وتوتر لكن ارتجافاتها غير المعتادة فضحت لووَّل ما تعانيه فلمهم أن لمستها كشفت لها أعماق ووَّل فانصرفت عما يدور في خاطرها . فرسمت على محياها ابتسامة فارغة خالية من المحتوى حاولت جاهدة أن تخفي وراءها مشاعرها المتناقضة المتعارضة بين الاشتهاء والقلق لذا كانت كلماتها تتأرجح بين الغموض والدعابة وخشية انتكاس ووَّل وتدهور صحته.
-       أشعر بارتفاع درجة حرارتك وارتجافك ما بك ياووَّل؟
-       لا شيء لا شيء ربما صرنا عجوزين وربما القلق من معانقة الشمس .
-       أنت وحدك من صار عجوزاً منهكاً من رهق الاندماج في الحداثة .
-       خلال رحلة العودة إلى مريال التقي ووَّل وسارة بأنماط متباينة من الشباب والرجال والنساء العائدون من الدنيا الجديدة .
كان هنالك شباب ملتحي جالسين قبالة سارة ووَّل كانت أحاديثهم هامسة وحركاتهم غامضة متوترة . تسرت بعض ما يدور بينهم فأوحى إلى سارة وووَّل شعورهم الحاد بالفراغ وتمسكهم الصارم بالعواطف المغالية التي تفضح قصة فشلهم وهزيمتهم . هم الذين اضطرتهم ظروف البؤس والعطالة والحرمان إلى الهروب إلى "بلاد الضي" والحرية يبدو أن هؤلاء الشباب كانوا مشحونون بالرفض للدنيا الجديدة التي عاشوا فيها باستقباح قيمها ذات البعد الإنساني كما يحملون معارضة لدنياهم القديمة التي يتهموها بالذيلية يظهر أنهم يرسمون لها صوراً شقيه تدور حول حالة التخلف المتزايدة فملاحظاتهم كانت أكثر حدة في التعبير عن قيمة وصلاحية القوانين التي يصفوها بأنها حبر على ورق .
قدرت سارة ووَّل أن هولاء الشباب المحطمين فشلوا في الاندماج مع قيم الدنيا الجديدة التي استقبلتهم واحترمتهم وأعطتهم العلم وتجارب استخدام العقل لم يدركوا أنه أعطتهم ولادة جديدة لأنهم ببساطة كانوا مثقلين بهموم ومشاغل دنياهم القديمة التي جاءوا منها وهاهم يعودون الآن إليها منكرين لها بأرواح محطمة وقلوب منكسرة موشاة بالصدمة مما يجعل تعابيرهم محشوة بالمغالاة التي تطبع سلوكهم الذي للتراجع عبر القرون إلى أزمنة التأسيس أو إلى أزمنة الفتوحات والامتدادات بصعودها وانحطاطها كانت كلمات الشباب التي أدركت مسامع سارة وووَّل لم تتجاوز شرعية السماع للموسيقي وجواز الغناء والرفض أو عدم جوازهما اعتبار ما هو خارج من إيقاعات الطبول عملاً من أعمال الشياطين أي أنهم يرفضون كل شيء من الإبداع .
جلست في المقاعد الخلفية لمقعدي وووَّل أسرة عائدة إلى دنياها القديمة دارت بين أفرادها مناقشات كشفت لسارة وووَّل مدى الضياع والتمزق اللذان يعانون منها فقد كانت أراء أفراد الآسرة تتأرجح بين المحافظة على القيم الأصلية والتصالح مع القيمة التي وجدوها في الدنيا الجديدة . برز أنهم عاجزون عن الاستمرار مع هذي أو تلك يبدو ما يتبناه هولاء الشبان سيكون عائقاً للاتقاء لما فيه من وصاية وحجر انفلاقي جاء كردة فعل للموقف المعاكس الاندماجي يراه الشباب رأياً انتقادياً اتهامياً بالهروب إلى الماضي والاستقواء بجيوش الجهل العاطفية .
اهتمت سارة ووَّل بمناقشة دارت بين بنتي الأسرة بدأت المناقشة بتعليق أحداهما على قراءة الأخرى لصحيفة دولية واسعة الانتشار تصدر بلغات عديدة كان التعليق عصبياً انفعالي يظهر ذلك من الجدية التي سألت بها البنت أختها بامتعاض عن التصاقهما بالصحيفة مما فجر مناقشة أبرزت مباراة بين عقل الجمود والتقوقع في مقابل عقل القدرية المتصالح مع الدنيا الجديدة الذي يتبنى تصور خاص للحرية والانفتاح يظهر في أثواب بالية.
-       لماذا أنت مع هذه الصحيفة فهي ككل الصحف فارغة لا تحمل ما يفيد؟
يبدو أن ندي لم تكن مندهشة بأفكار أختها سامية فقد ردت :
سامية : لماذا انتم هوسه بالعداء لهذه الصحيفة والصحف ؟ وكيف عرفت أنها زباله؟ من أين لك بالأحلام القاطعة النهائية؟ حاولي إلا تعتمدي على الآراء المسبقة.
ندى : هذا النمط من الصحافة أصبح ذكرى ولا مستقبل له بعد أن عجز عن تقديم خدمة فاعلة .
سامية : ماذا تقصدين ؟
ندى : أقصد أن الانترنيت تجاوزه الزمن فالصحافة الالكترونية صارت صحافة الحاضر المفضه للمستقبل أما هذه فصارت أبواق للشائعات والثرثرة ومصدر للتجهيل .
سامية: لا اعتقد أن هناك فرق بين الصحافة الورقية والالكترونية في جمع المعلومات وتوظيفها فضلاً عن الأخيرة لن تصير شعبية لعقود قادمات . ليكن في معلومك أن الصحافة الورقية مازالت تحمل هموم الناس .
ندى : تقدي أن هذه الصحف تعبر عن قضية أنها لا تحمل شيء أنها مجرد استهلاك يتأرجح من الفراغ للفراغ .
كانت سامية عكس أختها ندى لها ثقة في دور الصحف في صياغة الوعي العام وترتيب اهتمامات الناس لذلك أكدت قناعتها بخبر من الصحيفة .
سامية: هنا خبر مهم يتحدث عن تهجير الفلاشا إلى إسرائيل .
ندى : خبر قديم جداً .
سامية : هل عندك معلومات عن تلك الهجرات إلى إسرائيل .
ندى : ليس فيد ذلك جديد فالهجرة من وإلى إسرائيل لم ولن تنقطع منذ أن تدمر هيكل سليمان . اهتمام بهذه الأخبار ثرثرة فارغة إلا ترى أنها صحف بائرة قديمة تدار تحرر بعقلية القرون الأولى بطريقة صحف المطابع الحجرية .
سامية : أنت تنظرين لهذه الهجرة بهذا التبسيط لأنك مغتربة ذهنياً ومندمجة كلياً في دنيا غير دنياكي فهذه الهجرة من الخطورة بما كان لأن أثارها اختلال في توازنات القوى الكونية التي تؤثر في المناطق الحيوية بل هذه الهجرة ربما يكون لها أثر في أمن وسلام واستقرار كل البشر .
ندى: يا بنت اتركي المبالغة هذه قضية عادية تحدث من الأذل إلى الآبد ليس فيها جديد تكررت الف مره ومازال كل شيء على حاله ما قرأتي ياسيدتي مجرد إعلان صحفي لجهات يائسة أنتي اعلم مني بعجزها اتركي ضغط الأعصاب وتعاملي حاسوبك تجدي نفسك مع الأحداث.
كان الأب يتابع بحياد المواجهة بين نظرات بتيه حتى استدرجه تصاعد وتأثر النقاش لتقديم وجهة نظر غير منحازة تبريرية .
( اعتقد أن اكبر مشكلة نواجهها الآن وفي المستقبل ليس مميزات نوعية الصحافة المتداولة أو إلكترونية إنما سيادة نمطي التحرير التقليدي والمغترب الرافض لكل ارتقاء والذي يحاول فاشلاً إخضاع إيقاعات الحياة لمزاج مجموعة صغيرة موهومة تدعى الكمال فلا ينبغي أن نتوقع صحافة حية إلا إذا كفت الصحف على اختلافها عن مناهضة تطوير الإنسان ولحياته ومظاهره ووجوده
-       أنت تكف عن  طاعة الاملاءات .)
-       لم تتورع ندى من معارضة وجهة نظر أبوها .
-       ندى : ( أبي لنكن واقعيين ما تحدثت عنه نظرية توفيقية يؤمن بها أنت ولا تقبل المناقشة وبالتالي غير قادرة على التأثير في حياة الناس ومواقفهم وتصوراتهم وظروفهم . علينا أن نتجاوز هذه المعركة الوهمية بين الصحافة التقليدية والالكترونية ـ إلى عمق الموضوع هل نحن قادرون على المحافظة على تصوراتنا ومواكبة إيقاعات الحياة فإذا فحصنا وجهات نظرنا نجدها مازالت تصر على المحافظة على البدائية باستدعاء لتقاوم التطور إلا يكشف ذلك بعدنا عن عصرنا ؟)
-       تدخلت سامية لتعرف اتجاه المناقشة إلى نقطة فصائل (انظر أبي الم اقل أن هذه البنت مسحورة بتيارات الحداثة ، هذه البنت ستجلب لك كارثة )
-       ندى: انظر أبي لفعل بنتك هذي الجامد الذي لا يعرف ابسط مبادئ استثمار الممكن ويتهم الناس كل الناس بالجهل أنها طريقة تفكير موبوءة بالهواجس والشك لن تقدم بل ستؤخر كثيراً)
-       سامية: ( واضح جداً أنك صرت مغتربة الفكر والروح مشوشة العقل تنظرين إلى كل شيء من خلال فكرة الاستثمار والمصالح ونظريات الاستهلاك أرجوك ياندى أن تجدي لك حلاً فإذا لم تفعلي ستجدي حالتك في تطور مستمر إلى ما لا يحمد عاقبته)
-       تدخل الأب بسلطته القابضة حاسماً للمناقشة التي رآها دخلت في طريق مسدود لا قدرة له في التأثير في مجرياته .
-       ( كفاية كفاية أرجوكما إيقاف هذه المناطحة البائسة حتى نعود إلى بيتنا...)           

وجد ووَّل نفسه منساقاً لسماع حكايات التشرد والألم والضياع في جبال التوتر ، أخذت تلك الحكايات ترهق ذهنه وتسمم أعماقه فشعر بالتوتر والانقباض في أمعاءه . فمن أكثر تلك الحكايات تأثيراً فيه الحكاية التي قصها عليه شقيقة إريّل الذي كان يسترجع معه تجربته في المعانّاة إبان الحرب عندما كان يعمل معلماً في السوباط فقال عن ذلك: ( ... رسمت لنفسي هدف صغير محدد لا أحيد عنه بأي حال مهما حدث تمثل في إبتعادي عن المشاركة في الحرب مع إصراري الاستمرار في مهنة التعليم لأنني وطنت نفسي على أن أبذل جهدي في خدمة تعليم الأطفال مبادئ الكتابة والقراءة والحساب. عاهدت نفسي على ذلك بعد أن أغلق دخان الحرب أبواب المدارس وتشرد الأطفال بعد أن إنغمس الكبار في لعبة الاقتتال . كنت متصالحاً مع نفسي أعيش في هدوء برغم فقري ومعاناتي من إنجاز أعمالي اليومية التي وهبت نفسي لها ـ حتى جاء ذلك الأصيل بغيومه الداكنة فهاجمت السوباط كله من أعلاه إلى أدناه جماعة مسلحة من الجهات الأربعة ، كتيبة الجراد ـ فجمعت تلك القوى المسلحة كل الذكور ووضعتهم تحت أعمال السخرة ففرضت عليهم حمل صناديق الأسلحة والذخائر وأمتعة الجنود . لقد جعلونا نقوم بمهام الدواب والناقلات يبدو أن الأمطار الدائمة تحول دون حركة السيارات والدواب لهذا حملنا ذخائرهم وأمتعة الرجال والأطفال ، سرنا على أقدامنا الأيام أم الشهور لا أعلم مقدارها بعدها فرضوا علينا بناء مرساة نهري لترسو عليه القوارب المطاطية الصغيرة . قمنا بركم شاطئ النهر بالتراب والأحجار الضخمة والصلدة فاكتمل بناء المرساة الذي أستخدم بفعالية في نقل الأخشاب والأغذية لمعسكر التدريب في ضفة النهر الأخرى . كانت تجربة مؤلمة ليّ أنا الذي  أناهض الحرب أجد نفسي مكرهاً على الخضوع للتدريبات العسكرية كان معسكر التدريب على سطح جبل في عمق الغابات محاط بالخنادق والاستحكامات القتالية . ينتشر في كل شبر من أرض المعسكر الجنود المسلحين بالبنادق الآلية . وجدت نفسي مع الأطفال والرجال والشباب مجبراً على طاعة الأوامر العسكرية كنا نزيد أو نقل عن عشر ألف من البؤساء الذين فرضت عليهم الحرب والانزلاق لأتونها والتحول لجنود،كنا نفترش الأرض وتغطينا السماء تفوح من أجسادنا روائح العرق النتنة كثيرون منا نسوا أسماءهم والمناطق التي جاءوا منها فامتلأت أذهانهم بمقولات قادة الحرب وأناشيد الموت. في معسكر التدريب كهذا تعرفت على فتى جريء كان مقاوماً لمحو الأدمغة وإلغاء الذاكرات بصرامة يحسد عليها . كان فتى الخامسة عشرة من عمره يتميز بإرادة صلبة تعلمت منها أنا القدرة على الصمود والتماسك اكتشفت صلابة عوده ـ أصالة موقفه وقوة إرادته ـ صدقه عندما دخلت في مشادة كلامية مع الجنود ساند موقفي دون اهتمام بتبعات مساندته مؤكداً عادية رفضي لطاعة أوامر الجنود فقد ظل بعد ذلك إلى جانبي يضمد جروحي التي خلفها ضرب وركل الجنود . أصيب أيّاك بمرض جلدي فتقرحت أطرافه ولم يعد قادر على المشي ـ ظن الجنود أن أيّاك يتمارض تهرباً من جلب الماء من النهر لمطبخ المعسكر . اعتبروه متمرداً على الأوامر لرفضه جلب الماء بحجة المرض فأوسعوه ضرباً  فركلوه بالأحذية الثقيلة . جاء تقرير الطبيب مؤكداً مرض أيّاك . لأني كنت إلى جانبه شيئاً فشيئاً توطدت علاقتنا . كان دائم الغناء له صوت شجي يستخدمه ببراعة في إبراز ما يدور في أعماقه كان مصراً على ممانعة عمليات طمس الذاكرة التي ترسخها الجندية . كان يردد هذا المقطع دون ملل:
أيتها الطيور أحسدك أحسدك
فأنت حرة في إنطلاقك في الفضاء الممتد
لا جنود يراقبونكِ ...................
أنتِ دائماً ملكة الفضاء ..............
ما أعظم الحرية التي تستمتعين بها .......
أنت لست في حاجة لسلاح ٍِِ
أحسدك لأنك لا تخضعي لإستبداد الطغاة
ما أتعسني
ما أتعس البشر
ما أقصر قامة الإنسان 
إنه أسير مكبل بالأوهام والقيود
ما أطول قامتك أيتها الطيور الحرة الطليقة
جلسنا أنا وأيّاك تحت شجرة نستعرض واقعنا في جحيم المعسكر فقررنا الفرار لأن البقاء يعني أيضاً الموت البطيء . وضعنا خطتنا بتمهل للهرب كانت الخطة بسيطة تعتمد على التحرك السريع ليلة إختفاء القمر أجرينا حساباتنا بدقة فحددنا الميعاد وأعددنا العدة للهرب بهدوء . تسللنا تحت عتمة الظلام إبتعدنا عن مواقع الحراسات إجتهدنا للإبتعاد عن حقول الألغام المزروعة على طول وعرض المعسكر . عبرنا الغابة . أدركنا آثار قرية محروقة أشار إلىَّ أيّاك بأن تلك الآثار آثار بلدتهم . تجاوزنا منطقة جبلية حجارتها مسننة لأنه لا خيار أمامنا فالأرض السهلية صارت مزروعة بالألغام . كانت مغامرة قاسية شعرنا بعدها بطعم السعادة لنوالنا الحرية . قضينا ليلة عند بركة مياه في طريق مهجورة بعيدة عن النهر ترتادها الأبقار الوحشية في منتصف الليل سمعنا نواح جوقة من النساء كانت الأصوات بعيدة تحركنا تجاهها وجدنا نساء حزينات يبكين إباءهن وأزواجهن ـ أبناءهن أو أقاربهن ـ جلسنا إليهن فحدثونا عن أنماط الألم ـ التشرد الجوع ـ التحرشات الجنسية  والركل ـ الاغتصاب العنيف كان حديثهن يؤكد تجرعهن كؤوس المرارات.إنهن نساء قابعات في منـزلقات التوتر يعانين من الاكتئاب و الأسى . كانت وجوههن تكتسي بغمامات الحزن كانت أفعالهن أقرب منها للجنوب ـ تلك تنادي نائحة بصوتها المبحوح من حدة البكاء ـ فلذة كبدها مابيور . أخرى تحاول جاهدة إرسال رسالة لأبنها ألا ينسى إسمه في منـزلق التوتر فكانت تكرر ببلاهة ملحه جزيف تعال إلىَّ لا تبتعد رافقناهن إلى نوليك فتفرقنا كل في حال سبيله . ألتحق أيّاك بالمدرسة وصبر على دورة التعليم حتى صار معلماً للغات لاحقاً أثبت تفوقه وبراعته).

ـــــــــــــــــــــ

يدرك ووّل تماماً أن الحكايات التي سمعها بعد عودته إلى مريّال كانت تعرفه بطبيعة التبدل الذي حدث لكنها في المقابل كانت تضغط على وجدانه بنقل المآسي التي عاشها ويعيشها الناس فالحقيقة أن ووّل وسّارة عادا باستعداد لتفهم أحوال الناس وظروفهم . لكنهما كانا مجرد رجل وامرأة عاشا في الاغتراب لعقود ثم عادا إلى ديارهما كل شيء كان غريباً عنهما كما تركاها فالواقع يقول أن سّارة ووَّل عادا إلى مريَّال هاربين من جحيم التوتر وقسوة السلوك المناعي  ليجداها في مريَّال فلم يكن في تقديرهما أن مريّال صارت فارهة هكذا تفوح من أزقتها روائح المسرات الساذجة ـ إعلانات المصارف وشركات الطيران العابرة للقارات ـ يتحدث سكاناً عن كل شيء عن أثقال الحرب وصفقات السوق السوداء ومن سيجلس في البيت الأبيض . يقول ووَّل في معرض تعليقه على ما شاهده في مريَّال :
( أرى مريَّال توشحت بوشاح الرهبة والغموض ـ ففيها تلتقي منتجات التكنولوجيا وآثار الإنسان البدائي تحت شمسها الساطعة دوماً تلتقي غابات الأسمنت ومدن الصفيح كل ذلك يرسل أشعة صفراء فأرجوانية تجعل مريَّال كعروس غجرية ترفل في مسرات الطفولة التي كانت تميزها حين كانت مجرد مراعي للأبقار ووادي للصيد . كان التبدل في مريَّال ضخماً تعمقه حرمة الحكايات التي كان يسمعها ووَّل وسارَّة التي وفرت لهما القدرة الضرورية على الفهم كذلك مادة دسمة للثرثرة وتبادل الأفكار فقد تغيرت بيئة مريَّال فتلوث النهر بمخلفات  المصانع والنفايات الكيمائية المدفونة عند منابعه فأصيبت الأبقار بالأوبئة المجهولة . الحكايات كانت فرصة جادة لووَّل وسارَّة لاختبار مصداقية الأخبار التي كانت تصلهم في أوتاوا عن مريَّال فقد وجد أن الأخبار التي كانت تصلهم أما أنها غير حقيقية تماماً لأنها تصور مريَّال ما زالت رابضة في أصالته العذرية ـ أو أنها تفتقر للدقة ومبالغة في تصوير ما يحدث في مريَّال فتبرزها كالتي إنفضت بكارتها وصارت مكان يقطنه الجن والأباليس والشر الذين جاءوا إليها من كوكب مجهول . طالت الثرثرة التي دارت بين ووَّل وسارَّة سكان مريَّال الجدد من أين جاءوا؟ وكيف إكتشفوا مريَّال وعمروها ماذا فعلوا فيها وعلى هامش الثرثرة لامسا تحولات مريَّال وحكاية أريَّل مع معسكر التدريب :
-       كأني سمعت حكاية أخي إريّل
-       ليس فيها جديد أنها تكرار لمعظم الحكايات كنا نسمعها في أوتاوا .
-       أتفق معك لكن أحتاج لفهم ما يدور في مريَّال .
-       لكي تبدأ استيعاب مريَّال عليك أن تبدأ من أنها تبدلت أنها أضحت تؤثر فينا أكثر من رغبتنا في التأثير فيها .
-       مريَّال صارت في قمة جبل التوتر
     سيطر على ووَّل وسارَّة شعور مباغت بأن ثمة خلل ما قد حدث في هواء مريَّال فلم يعد كما كان نقياً منعشاً . فشاطئ النهر العتيق الذي تعودا الجلوس على رصيفه تبدل فحركة السابلة على جنبات مريَّال صارت صاخبة ضاجة كما هي الحركة في أوتاوا . والقوارب الخشبية لصائدي الأسماك التي كان تمخر مياه النهر إختفت وظهر بديلاً عنها القوارب المطاطية واللنشات الميكانيكية فصار النهر مفعماً بالحيوية الزائفة والضوضاء وعبث الصبية والصبايا . فشاطئ النهر ارتسم بالتناسق الصناعي ـ معارض التسوق ـ مزارع البطاطا ـ بساتين النخيل والكثبان الرملية لم يعد لها وجود . الحقيقة أن مريَّال صارت أكثر حزناً بعبث الصبايا والصبية لأنها حتى اللحظة غير قادرة على احتمال تجوال الفتيات اليافعات بثياب السباحة فتصدمهن بهتافات كرة القدم يعتقد ووَّل أن مريَّال باردة تسيطر عليها أكاذيب رجال الدين وأوهام العرفات كان رأي ووَّل حاسماً قاسياً بأن مريَّال لم تعد مريَّال فقد تبدلت تبدلاً لم يكن في تصوراته لذلك سأل نفسه بجرأة لماذا تغيرت مريَّال كل هذا التغير؟ هل لأنها صدمت

Comments

Popular posts from this blog

Mona Farouk reveals scenes of "scandalous video"Egyptian actress Mona Farouk appeared on

Mona Farouk reveals scenes of "scandalous video"Egyptian actress Mona Farouk appeared on Monday in a video clip to discuss the details of the case she is currently facing. She recorded the first video and audio statements about the scandalous video that she brings together with Khaled Youssef.Farouk detonated several surprises, on the sidelines of her summons to the Egyptian prosecution, that Khalid Youssef was a friend of her father years ago, when she was a young age, and then collected a love relationship with him when she grew up, and married him in secret with the knowledge of her parents and her father and brother because his social status was not allowed to declare marriage .Muna Farouk revealed that the video was filmed in a drunken state. She and her colleague Shima al-Hajj said that on the same day the video was filmed, she was at odds with Shima, and Khaled Yusuf repaired them and then drank alcohol.She confirmed that Youssef was the one who filmed the clips whil...

الحلقة 20 هنادي المطلقة والمحلل (ماذا قال كتاب العرب في هنادي)-----------Khalid Babiker

• الجنس شعور فوضوي يتحكم في الذات والعقل . وله قوة ذاتية لا تتصالح إلا مع نفسها . هكذا قال أنصار المحلل الحلقة 20 هنادي المطلقة والمحلل (ماذا قال كتاب العرب في هنادي) أول طريق عبره الإنسان هو طريق الذكر . بعدها شهق وصرخ . تمرغ في الزيت المقدس . وجرب نشوة الأرغوس . عاجلا أم آجلا سيبحث عن هذا الطريق ( كالأسماك تعود إلى أرض ميلادها لتبيض وتموت ) . وسيعبره . سيعبره بحثا عن الديمومة . وسيشهق وسيضحك . لقد جاء إليه غريبا . سيظل بين جدرانه الدافئة غريبا . وحالما يدفع تلك الكائنات الحية الصغيرة المضطربة في الهاوية الملعونة سيخرج فقيرا مدحورا يشعر بخيانة ما ( ..... ) . لن ينسى الإنسان أبدا طريق الذكر الذي عبره في البدء . سيتذكره ليس بالذاكرة وإنما بالذكر . سيعود إليه بعد البلوغ أكثر شوقا وتولعا . ولن يدخل فيه بجميع بدنه كما فعل في تلك السنوات التي مضت وإنما سيدخل برأسه . بعد ذلك سيندفع غير مبال بالخطر والفضيحة والقانون والدين . الله هناك خلف الأشياء الصغيرة . خلف كل شهقة . كل صرخة مندفعا في الظلام كالثور في قاعة المسلخ . الله لا يوجد في الأشياء الكبيرة . في الشرانق . في المح . ينشق فمه . تن...

Trusting Liar (#5) Leave a reply

Trusting Liar (#5) Leave a reply Gertruida is the first to recover.  “Klasie… ?” “Ag drop the pretence, Gertruida. You all call me ‘Liar’ behind my back, so why stop now? Might as well be on the same page, yes?” Liar’s face is flushed with anger; the muscles in his thin neck prominently bulging. “That diamond belongs to me. Hand it over.” “What are you doing? Put away the gun…” “No! This…,” Liar sweeps his one hand towards the horizon, “…is my place.  Mine!   I earned it! And you…you have no right to be here!” “Listen, Liar, we’re not the enemy. Whoever is looking for you with the aeroplane and the chopper….well, it isn’t us. In fact, we were worried about you and that’s why we followed you. We’re here to help, man!” Vetfaan’s voice is pleading as he takes a step closer to the distraught man. “Now, put down the gun and let’s chat about all this.” Liar hesitates, taken aback after clearly being convinced that the group  had hostile intentions. “I…I’m ...