Skip to main content

المدن في الروايات ---- د. أمير تاج السر


المدن في الروايات
د. أمير تاج السر
كاتب وروائي سوداني
تعتبر الكتابة عن المدن وعوالمها، من الأشياء الشائعة في الكتابة الروائية في أي مكان به من يكتب رواية، وهناك مدن حقيقية دخلت بشوارعها وضجيجها ومركباتها وأرقام بناياتها وحتى العمال الذين يشيدون عمرانها، ومدن أخرى خرجت من خيال الكتاب، وأصبحت فيما بعد معروفة بشدة لدى القراء كأنها صيغت بالفعل في الواقع، ويمكن زيارتها في أي وقت.
وأذكر حين قرأت "مائة عام من العزلة" لماركيز أول مرة، وتابعت مدينته "ماكندو"، منذ إنشائها في ذلك الوادي الكبير وحتى ازدهرت وأصبحت مطروقة بواسطة الزوار من سياح وتجار ورجال دين وموسيقيين وحواة، وفرق راقصة، أنه امتلكني يقين كبير أنني أمام مدينة موجودة بالفعل.
وربما يكون ذلك حقيقة، أن تكون تلك المدينة موجودة باسم آخر، لأن الكاتب في رأيي لا يخترع المدن من فراغ، ولكن يقرأ معطيات بيئته بدقة، ويشيد من تلك المعطيات عالمه الشبيه الموازي. هو يتحدث عن مدينة مخترعة، ولكنها موجودة بالفعل.
بالمقابل تجد أعمالاً أخرى تعرضت لمدن مثل نيويورك ولندن وباريس والقاهرة، وحتى مدن صغيرة بلا شهرة في العالم العربي والغربي مثل بعض أعمال بول أوستر، ونجيب محفوظ وعبدالرحمن منيف وغيرهم، وهناك أعمالاً كانت عبارة عن سير تاريخية للمدن، استعادتها بالكامل، واستعادت معها وقائع ربما عاشها الكاتب أو خبرها من مشاهداته.
والسؤال: مالذي يريده الكاتب حين يختار مدينة بعينها موجودة ومعروفة، ويكتبها كاملة في رواية؟
قطعًا ليس الهدف في الكتابة الروائية، مدينة الإسمنت والبنايات الشاهقة والمنخفضة، والشوارع المسفلتة والتي تملأها الحفر، وليس الهدف مدحًا للمدينة أو ذمًا لها، ولا تفصيل ثياب من حلم الكاتب ليلبسها لها، ولكن المدينة المكان الذي سيحدث فيه شيء ما.
ولا بد من مكان ذي إغواء يحتضن الحدث، ويسانده، ويتطور بتطوره، وغالبًا ما يكون ذلك المكان كما ذكرت، موجودًا في ذاكرة الكاتب، أو هو مكانه الذي يعيش فيه ويخبره تمامًا، حتى لو لم يسمه باسمه الواقعي وافترض له اسمًا بديلاً، أو تركه هكذا غامضًا بلا اسم، لكن تفضحه الخصوصية.
وهكذا يلم القارئ شتات ما يعثر عليه من بذور تخص مدينة من دون أخرى، ويتفاعل مع الحدث الذي يجري في المكان. وحين يكتب أحد عن القاهرة مثلاً، فمن المحتمل جدًّا أن يكون أحد الشخصيات قد ركب قطارًا من محطة باب الحديد، أو سار في شوارع وسط البلد المعروفة، أو عبر بميدان التحرير، أو صلى ركعتين في الحسين وهكذا.
وحين نكتب عن الخرطوم، نجد أسواقها الشعبية الخاصة، وملامحها المتعددة في شوارع مثل النيل والقصر، وربما ورد ذكر لمطعم معروف مثل مطعم أبي العباس، أو حتى بائعة شاي فقيرة، اشتهرت في المدينة، ولا بد أن تدخل في النصوص الروائية. وهكذا.
إذن المدن تمنح العالم الواقعي وتغري بعالم افتراضي مواز، وكلما كبر حجم المدينة وازداد ضجيجها، كانت فرصة كتابتها أكبر، وكلما حدثت تغيرات اقتصادية وعمرانية، في مدن بعينها، أصبح وجودها في الروايات حتميًا.
المدن أيضًا تمتلئ بالشخصيات المتنوعة، والمؤثرة، أكثر من القرى الريفية ذات العالم المحدود، والحكايات التي كتبت مئات المرات، ولن تكون عنصرًا جذابًا في صياغة نص طموح كما أعتقد، مثلاً شخصيات العمد والمشايخ، والمجاذيب، والريفيات المكحلات بالنظرات اليائسة، والأحلام المجهضة، هذه حكايات صيغت بأساليب عدة، ولا أعتقد أن ثمة جديد فيها، بعكس المدن التي تفرز في كل يوم حكاية، وفي كل منحنى إرهاصات نص يمكن تطويره إلى نص جديد ومختلف تمامًا.
وفي تجربتي الشخصية، فقد عشت معظم سنواتي المبكرة في مدينة بورتسودان على ساحل البحر الأحمر، وبالرغم من وجود ثوابت معينة في تلك المدينة، لم تتغير بتغير الزمن مثل المستشفى الكبير في وسط المدينة، وصيدلية بيومي، وموقف الحافلات، وأكشاك بيع المرطبات التي يعود تاريخ بعضها إلى نهاية الستينيات من القرن الماضي.
إلا أنني ألاحظ في كل زيارة لي لبورتسودان تغيرًا ملحوظًا، وعوالم جديدة، هدت تلك القديمة، ونبتت على أرضها، وبالتالي كان ما كتبته في كتابي مرايا ساحلية، أصبح معظمه غير موجود الآن، لكني حين أجلس للكتابة، دائمًا ما تتراءى لي مدينتي التي أعرفها، وأكتب نصي بناء على معطيات سابقة أو جديدة استوحيها من التغيرات الجديدة.
ولأنني أتبع طريقة عدم تسمية المدن عند كتابتها، لكن الخصوصيات تظهر ويستطيع القارئ الذي يعيش في مدينة بورتسودان، أن يتلمس دروب النص بسهولة، وربما يستطيع قارئ بعيد لا علاقة له بالمكان أن يعثر هو الآخر على ما يرشده للمكان الذي يحتضن أحداث النص.
من المدن التي تغري بكتابتها أيضًا ولم يصلني نص كتبها حتى الآن برغم اعتقادي في وجوده، مدينة مثل كوالالمبور عاصمة ماليزيا. هذه مدينة في رأيي بمثابة معلم للكتابة، موحية بشدة، وفيها من الإغراء ما تمتلكه حسناء.
ولأن سكانها خليط من أجناس مختلفة، وزوارها يأتون من شتى بقاع العالم، إضافة إلى ضجيجها المستمر الذي لا ينتهي، ومؤكد أنها تصنع نصًّا غاليًا، بقي أن أعرف بماذا أوحت لكاتب من سكانها، ولم تصلنا إلى العربية رواية ماليزية، على حد علمي. وشخصيًّا ورغم أنني أمضيت فيها شهرًا واحدًا، أستطيع التأكيد بأنني أنوي كتابة نص يؤطرها كواقع، ويتخيل ما يمكن تخيله منها.
في النهاية أقول إن النصوص العظيمة تصنعها تغيرات عظيمة، ولا تأتي من الركود أو الفراغ وما تمنحه المدن المتغيرة من تفاصيل جديدة في كل يوم، يجعل لبهار الكتابة، نكهة متجددة هو الآخر.
 المصدر: مجلة فكر الثقافية

Comments

Popular posts from this blog

Mona Farouk reveals scenes of "scandalous video"Egyptian actress Mona Farouk appeared on

Mona Farouk reveals scenes of "scandalous video"Egyptian actress Mona Farouk appeared on Monday in a video clip to discuss the details of the case she is currently facing. She recorded the first video and audio statements about the scandalous video that she brings together with Khaled Youssef.Farouk detonated several surprises, on the sidelines of her summons to the Egyptian prosecution, that Khalid Youssef was a friend of her father years ago, when she was a young age, and then collected a love relationship with him when she grew up, and married him in secret with the knowledge of her parents and her father and brother because his social status was not allowed to declare marriage .Muna Farouk revealed that the video was filmed in a drunken state. She and her colleague Shima al-Hajj said that on the same day the video was filmed, she was at odds with Shima, and Khaled Yusuf repaired them and then drank alcohol.She confirmed that Youssef was the one who filmed the clips whil

الحلقة 20 هنادي المطلقة والمحلل (ماذا قال كتاب العرب في هنادي)-----------Khalid Babiker

• الجنس شعور فوضوي يتحكم في الذات والعقل . وله قوة ذاتية لا تتصالح إلا مع نفسها . هكذا قال أنصار المحلل الحلقة 20 هنادي المطلقة والمحلل (ماذا قال كتاب العرب في هنادي) أول طريق عبره الإنسان هو طريق الذكر . بعدها شهق وصرخ . تمرغ في الزيت المقدس . وجرب نشوة الأرغوس . عاجلا أم آجلا سيبحث عن هذا الطريق ( كالأسماك تعود إلى أرض ميلادها لتبيض وتموت ) . وسيعبره . سيعبره بحثا عن الديمومة . وسيشهق وسيضحك . لقد جاء إليه غريبا . سيظل بين جدرانه الدافئة غريبا . وحالما يدفع تلك الكائنات الحية الصغيرة المضطربة في الهاوية الملعونة سيخرج فقيرا مدحورا يشعر بخيانة ما ( ..... ) . لن ينسى الإنسان أبدا طريق الذكر الذي عبره في البدء . سيتذكره ليس بالذاكرة وإنما بالذكر . سيعود إليه بعد البلوغ أكثر شوقا وتولعا . ولن يدخل فيه بجميع بدنه كما فعل في تلك السنوات التي مضت وإنما سيدخل برأسه . بعد ذلك سيندفع غير مبال بالخطر والفضيحة والقانون والدين . الله هناك خلف الأشياء الصغيرة . خلف كل شهقة . كل صرخة مندفعا في الظلام كالثور في قاعة المسلخ . الله لا يوجد في الأشياء الكبيرة . في الشرانق . في المح . ينشق فمه . تن

Trusting Liar (#5) Leave a reply

Trusting Liar (#5) Leave a reply Gertruida is the first to recover.  “Klasie… ?” “Ag drop the pretence, Gertruida. You all call me ‘Liar’ behind my back, so why stop now? Might as well be on the same page, yes?” Liar’s face is flushed with anger; the muscles in his thin neck prominently bulging. “That diamond belongs to me. Hand it over.” “What are you doing? Put away the gun…” “No! This…,” Liar sweeps his one hand towards the horizon, “…is my place.  Mine!   I earned it! And you…you have no right to be here!” “Listen, Liar, we’re not the enemy. Whoever is looking for you with the aeroplane and the chopper….well, it isn’t us. In fact, we were worried about you and that’s why we followed you. We’re here to help, man!” Vetfaan’s voice is pleading as he takes a step closer to the distraught man. “Now, put down the gun and let’s chat about all this.” Liar hesitates, taken aback after clearly being convinced that the group  had hostile intentions. “I…I’m not sure I believe