التراث ... الاختزال والتاويل (6) -----------
احمد ابو حازم
بعد عمر
بن عبد العزيز تحولت الولاية الى بني امية مرة اخرى، وكان اشهر حكامهم الوليد بن
يزيد الذي انتقل بالفسق و الفجور والمجون والزندقة من مرحلة الاسرار الى مرحلة
الجهر والاعلان فقد كان ماجنا سفيها يشرب الخمر ويقطع دهره باللهو والغزل ويقول
اشعار المغنين ويعمل فيها الالحان وكان يغني احيانا والحال هكذا كان بديهيا ان
يتجه الى اموال الناس بالمصادرة واليلب والنهب والاستنزاف ومع ذلك عقدت له البيعة
وتمت طاعته كامير المؤمنين. لاغرو ان الازمة التاريخية التي شابت التراث قد جرت
بذيولها الى الراهن وفي احايين كثيرة تمتد عمقها الى المستقبل ولكن ذلك لم ياتي من
فراغ فالقصور الذاتي لحملة التراث والمشتغلين فيه بسبب البطش والتهميش والاقصاء
والغلو في احايين كثيرة ادى الى بروز طبقة من المنتحلين ظلت امد بعيد حتى الان
تمارس فعل الانتحال والعبث بمضامين التراث وتحريفه ومعانيه لتتماشى مع ظرف تاريخي
معين وخير شاهد على ذلك( حرق مؤلفات ابن رشد في مصر ذلك لانه كان يرجح منطق العقل
على منطق النقل) وادى ذلك ايضا الى ظهور رواة ونقلة جهلة كل ذلك ساهم في جمود
المعايير التي تعاين النص التراثي وتشتغل فيه واشكلت على الناس العلاقة بين عالم الغيب بعالم الشهادة وسادة النظرة
الاخلاقية للعلوم الاخروية التي ترجع كل شىء الى منظومة قيمية مرجعيتها التقديس
والطاعةانها علوم منزهة تشتغل في عالم الفيب وبسيادة هذه النظرة للعلم والتراث
تقدمت النظرة التي تستهين بكل ماهو منطقي وعقلي وتميل الى الخرافة والتهويل وترفع
من شان اشخاص عاديين جاءت بهم الصدفة لتضعهم على مجرى التاريخ فتضفي عليهم الكثير
من الاوصاف التي تجعلهم كاشخاص خرافيين وتحك حولهم القصص والخرافات حتى يبدوا
التصديق ممكنا مما يجعل عملية تغيير هذه النظرة محفوفة بالمخاطر اذ من السهل وصف
منتقديها بالزندقة والخروج عن الملة وبديهي جدا تراجعت النظرة العلمية والمعرفية
التي ترفع شان العقل وتميل كليا الى الفحص والتدقيق باعتبارهما مهمتان جوهريتان
تسبقان فعل التدوين الذي يصون المعرفة ويحفظها لتستمد فعل تطورها وانفتاحها وكذلك
قوتها من خلال هذا الحفظ المحكم وتنقذ التراث من وطئة الاجترار والتكرار.
ومثلما لم ينج النص المقدس من التاويل الجزافي
والاختزال العشوائي من اجل اغراض غارقة في خصوصية اصحابها وموغلة في رغباتها
الذاتية فان الاحاديث النبوية هي الاخرى قد طالتها تلك الهجمة بضراوة اشرس مما طال
النص المقدس ذلك بسبب تعدد رواة الحديث ومدارسهم والازمان والسياقات التاريخية
التي عاشوا فيها فهذا هو صحيح مسلم ياتينا بطائفة من الاحاديث التي لو وزنا الكثير
منها بميزان العقل والمنطق نجدها اما ضعيفة او ملفقة ولاتنسجم مع المنطق العقلاني
ولا حتى مع سماحة ورفعت وسمو اخلاق الرسول عليه الصلاة والسلام والذي هو القدوة
الحسنة لنا جميعا فيما يقول ويفعل فمثلا حديث :(
الدنيا جنة الكافر وسجن المؤمن) بموجب هذا الحديث اختزلت الدنيا كلها الى
مجرد سجن للمؤمن وعى المؤمن ان يكافح سجنه هذا بالابتعاد عن الدنيا بوصفها جنة
الكافر فحسب بل حتى الابتعاد عن البحث في اسباب وجوده وخلقه ودوره في الحياة
الانسانية مقصيا بذلك دوره عن المشاركة والفعل الايجابي ليتحول ضمنيا الى كائن
فرداني بعيد عن الفعل الجمعي مهمته الانزواء والابتعاد عن النظر في سلوك وتصرفات
ولي الامر وماينظم شؤون حياته بحسبانها امور دنيوية لاتفيد المؤمن في شىء بل هي
موكولة للحاكم يفعل فيها مايشاء وان ما يحل
بالمجتمع من قحط وغلاء في الاسعار انما فتنه وابتلاء بسبب الذنوب وكل ذلك
من صميم فعل ( جنة الكفار) لكن الحاكم وظلمه واخذه لاموال الناس بالباطل يبسبب
القحط وارتفاع الاسعار ليس من الحاكم
وانما بسبب الذنوب التي ترتكبها الرعية طالما ارتضت الحياة في جنة الكفار. ان تعدد
الروايات المدونة والشفاهية للاحاديث النبوية جعل محاولة الامساك بالنص الاصلي
للحديث مسالة شائكة بل صعبة الى ابعد الحدود واصبحت عملية المقارنة والمضاهاة
والمقارنة محفوفة بالمخاطر فالروايات المتعددة حركت بعض المفردات من اماكنها
الحقيقية وتبعا لذلك قد تحركت المعاني وتتزحزح عن مواضعها التي يراد لها ان
تتبواها لتوصيل الخطاب المراد ارسالة فانحراف الدال عن رحلته صوب المدلول وانفراط
زمام التاويل في اتجاهات تتقاطع ضديا مع النص الاصلي.----------- يبع- الصورة السردية/ قراءة في التجليات النصية/ د شرف الدين ماجدولين
- بلاغة النص السردي القديم ومفهوم التاويل/ محمد مشبال/ كاتب من المغرب/ مجلة الحرين
- الغيب والشهادة في فكر الغزالي / انيس الزيادي
- مجلة الكاتب العربي/ السنة 1987م قائع ندوة الكاتب العربي
- المعتزلة والثورة/ الدكتور محمد عمارة/ اصدار دار الهلال1984م
- تحليل النص السردي- معارج بن عربي نموذجا/ سعيدالوكيل/ اصدارة الهيئة المصرية العامة 1998م
- بنية السرد في القص الصوفي/ المكونات والوظائف والتقنيات/ الدكتورة ناهضة ستار/ منشورات اتحاد الكتاب العرب / دمشق 2003م- مجلة الموقف الادبي العدد 128/1981م
Comments
Post a Comment