وبعد ... من يحكمنا ؟
المجتمع يحدد الخيارات
--------------------
أحد أزقة مدينتي القديمة التي بدأت تندثر بصفتها تراث تاريخي بعد انهيار بيوت الأزقة لعدم الإدامة، أو بعد أن هجرها أهلها خوفاً من سقوط جدرانها وسقوفها عليهم جرّاء الصواريخ الذكية التي تتجول بحرية في سماء المدينة منذ ثلاثة عقود خلت أو بسبب أزيز الطائرات الخفية التي يفتخر بها صانعوها لأنها تصيب أهدافها بدقة ، أو أنهم هربوا أو هاجروا ... الأزقة التي تحتضن البيوت القديمة، التقيت بصديقي البحّار!، كل شيء أصبح غريباً في بلادي! كنت أبحر وصديقي منذ سنوات ، فقد ورثت سفينة شراعية جميلة، خشبها متين حتى أشرعتها، لازالت كما هي . سفينتي أودعتها أحد الخلجان غير المعروفة فهي في أمان... وتنتظر أن نبحر بها مرة أخرى؟!... نحن نسير الهوينا في الأزقة نتجاذب ذكريات ... قال: منذ زمن كان الناس في سلام وأمان والمجتمعات أكثر تآلفاً يعيشون بحرية .لا تجد جائعاً بينهم، منذ مئة سنة ونيف.. التدمير طال كل شيء..، رائحة الموت تنبعث منه رائحة ودخان الأبنية المحترقة والجثث، تتصاعد ، لأن الحرب أزمة سلطة؟! نظرت إلى وجه البحّار علاه القنوط والاستغراب: هل تريد أن تقول لي أنه بعد كل حرب نخسر السلطة؟!... أجبته: نعم! لاحت على محياه الابتسامة:... سقطت السلطة وبقي المجتمع... المجتمع الذي يتجاوز الأزمة ويضمد الجراح! : السلطة قوة طفيلية غير اجتماعية تقوم على نهب مُنتج المجتمع بوسائل عسكرية ومالية احتكارية ولا يمكنها أن تكون من دون ذلك.. لا مجتمع – لا سلطة.. لكن المجتمع كقوى قادرة على الإنتاج يتمكن من العبور. بينما السلطة تسقط وتتبدل، لا يمكن لأي سلطة في التاريخ أن تبرز دون نهب قوى المجتمع (الجيش، والمال) وهي قادرة على إنتاجهما من خلال سلبهما من قوى المجتمع فيحدث صراع داخلي لأن المجتمع يقاوم أن يُنهبْ عندما يقترب من الانتصار على السلطة تنقل أزمتها إلى الخارج عبر حروب... وسكت البحار وَهَمَّ بإخراج لفافة تبغ لكنه أرجعها إلى العلبة ورمى العلبة في سطل الأوساخ... وهو يردد: إلا بُعداً لها... (كما بَعُدت عادٌ وثمود)! هكذا صرّح بعد أن عرّف لي السلطة وكأنه يقرأ أفكاري... سألته استكمالاً لحديثه لماذا تنقل أزمتها إلى الخارج عبر حروب؟ أجاب وبدون تردد، لتتمكن من ضبط المجتمع الداخلي وإشغاله، وسرقة الخارج لتعويض احتياجاتها وتلبية حاجات جيشها وجهازها الإداري المتزايدة. : لكنها تفشل والدليل كل السلطات عبر تاريخ المعمورة الطويل سقطت... : ومن بقي ؟... بقيت المجتمعات!.
لا تستغرب يا صديقي عندما ترى فترة سلام لأصحاب السلطة، فهي هدنة استعداداً لحرب أخرى وكارثة اجتماعية مستمرة لكن لم ولن يتوقف المجتمع عن المواجهة وبرزت قوة مُجسدة بوظائفه كحقيقة مؤثرة متبلورة تعمل بإلحاح وشجاعة ضد تلك الأزمات المختلفة من حروب وصراع وتناحر... وهمس:- إذا الشعب يوماً أراد الحياة... فلابد أن يستجيب القدر... بدأ المجتمع مرحلة جديدة، مرحلة التخلص من مركزية السلطة .. ويتحكم المجتمع بقواه المادية والروحية ونشرها بين القطاعات – الاجتماعية – المعرفية ولا تستطيع أي سلطة الاستحواذ عليها... إذن هي مرحلة مختلفة؟... سألته هذا السؤال ورفع إصبعه أمامي معتداً وقال: .. لَنْ... تتمكن السلطة من توظيف قواها لإخضاع المجتمع... بادرني : هل تعرف لماذا..؟! أجبته... كيف لا أعرف:- إن جملة من العوامل حققها انتقال قوى المجتمع المنتجة المادية والروحية من التمركز وسهولة انقضاض السلطة وغرس مخالبها فيها إلى التشعب والانتشار والذوبان بأيدي القطاعات الاجتماعية – المالية وهذا من طبيعة السلطة المعرفية – من الكل وبأيدي الكل – وبالتالي يستحيل على السلطة الاستحواذ عليها وتم تحرير السلطة من صفتها القومية إلى الصفة الاجتماعية... شركات متعددة الجنسيات لعبت دوراً في هذا المجال. كما أن المجتمع يستعد لحسم الكثير من الأزمات الكبرى لأنه وصل إلى مرحلة جديدة من التطور...: من الملاحظ أن المجتمع بدأ يمارس فعلاً كونياً واضحاً وصريحاً يتعلق بالحفاظ على وظائفه الاجتماعية (التواصل، الخلق، الاستمرار، الاستيعاب، التحول، التطور) وبقوة لا مثيل لها وكأنه يعلن الانتصار سلفاً في معركة الإرهاب السلطوي بعد هذه الحرب سيحسم الصراع لصالحه وسيؤسس لمرحلة جديدة عمرها مئات السنين القادمة.: ما سبب استنتاجك الأخير؟!، هزيمة المشروع الإمبراطوري ... و أنظر إليه باستغراب... حتماً باستغرابك هذا تريد أن تقول لي أن دولة ما أصبحت إمبراطورية؟ متى وكيف؟! ومن ثَمَّ كيف تجلّت لك الهزيمة؟! أجيبك:- بعد الحرب العالمية الثانية ، أُعطيت الأموال لإعادة إعمار الدول وأبقت قواعدها العسكرية في مختلف دول العالم. كل ذلك بأموال يهودية صهيونية فاليهود الصهاينة هم الذين استفادوا من نتائج الحرب وسيطروا على اقتصاديات العالم بل وحتى الإعلام العالمي لتحقيق الحلم الصهيوني «أرض الميعاد! أرض الأجداد!»، أما تجليات الهزيمة فقد بدأت مع عجز المشروع عن تشكيل المركزية القومية، انفلات الاقتصاد من يد المشروع عبر السلطة المعرفية، اللاقومية اللاعنفية، الفكرية، المتاحة للجميع، كما يستحيل على المشروع ضبط الحركة الاجتماعية العالمية. كما أن مراكز القوى انقسمت إلى عاصمة السلطة السياسية وعاصمة السلطة المالية، هناك هزيمة أخرى... هزيمة المشاريع التمايزية المرتكزة على الحق المطلق والقوة المطلقة في العالم... أن كل قوة في العالم سعت وتسعى لتحقيق التمايز، كل المشاريع الدينية، الإسلامية والمسيحية – الإسلام شيع وطوائف فهي ليس لها طابع ديني بل طابع سياسي – اقتصادي أكثر منه روحي وأيضاً المسيحية... لكن ما هو البديل!؟. ... لأتحدث لك عن البديل... الذي صفى حساباته ويُصفيها مع الكتل التمايزية، طبعاً البديل الاجتماعي هذا البديل الآتي بقوة لكنه يتميز أنه لا عنفي، لا يسعى إلى تشكيل سلطة ذاتية – تمايزية لا قومي ولا عرقي ولا ديني، أهدافه السياسية شاملة... هذا القادم الآتي الكوني: حركة اجتماعية – كونية علمية لا تمايزية، يحقق فيها الفرد ما يصبوا إليه في إطاره الاجتماعي الطبيعي ويستعيد ما سلب منه يدعمه المجتمع المنتصر سلفاً لأنه حافظ، على وظائفه وتنوعه، المجتمع... يستوعب الدين، يستوعب الأغنياء والفقراء، يستوعب الأزمات...:- لكن الدين لا يستوعب كل الأديان أو أنه لا يستوعب المجتمع، ولا يحتمل التناقضات كما يحتملها المجتمع،.. المجتمع يقبل التحول، بينما الذي يحمل سمة التمايز النهائي لا يمكن أن يستوعب الآخر:.. لا أغمز من قناة الدين بل للدين وظيفة في سياق المجتمع فإذا لم يكن المجتمع موجوداً فلا وجود للدين ولا يمكن للجزء الديني أن يُسيطر على الكل الاجتماعي لكن الدين يُستغل في إطاره الروحي ليخدم السلطة التي عملت وتعمل على تخريبهُ وتحوله من دين له وظيفة اجتماعية إلى دين له وظيفة سياسية خادمة للسلطة ثم تجعله متعارضاً مع المجتمع، والسلطة تفتعل أكثر من هذا بكثير لكي تستمر. ومن هذا المنطلق . لابد من الدخول في المواجهة السلمية المطروحة عالمياً ضد كل مشاريع التمايز التي تقوم في جوهرها على العنف لتحل محلها مشاريع اجتماعية (هيئات، مؤسسات، نقابات، منظمات، تجمعات، أفراد، تعاونيات...) متجاوزة أدوات العنف... الجيش. والاحتكار الاقتصادي. هممت بالحديث قلت: يا بحّار...؟! أتدري بعد هذا العرض السريع لأحداث مضت... إني أتخوف من أن نبدأ من جديد.. قومياً..!؟ إذ اتضح فشل المشروع القومي وانتهى عالمياً؟ كما أخشى أن نبدأ ليبرالياً... حيث الصيحات هنا وهناك تدعو إلى الليبرالية كمنظومة سلطوية تجسدها (النظم المتوحشة).. والتي تتهاوى!... وأخشى أن نبدأ دينياً على أنقاض دين تم إفساده من قبل السلطة عبر مئات السنين فيُجعل ركيزة من ركائز الحكم. الدين لا يقود المجتمع، حتماً المجتمع هو الذي يقود الدين «لا مجتمع، لا دين»...: رداً على مخاوفك أتعرف ما هو الصحيح. أن نبدأ اجتماعياً؟!... نبدأ من المؤسسة المفتوحة التي لم تُخرب، وبقيت صعبة المنال على كل محاولات السلطة في إفسادها وتدميرها!... المجتمع... يستوعب الجميع بما فيهم الأعداء... علينا أن نندفع بقوة شجاعة إلى مثل هذه القوى الحية. نحن بحاجة إليها... نعيش فيها... ومنها... وإليها... هذه القوى الحية تستوعبنا جميعاً رغم تناقضاتنا وتفرعاتنا المتناقضة.... هل لي بالاستفسار: ما الذي يجعل الاخر يتظاهر ضد سلطة ما؟ وكثير من هذه الأمور تحصل في شعوب المعمورة... إن الإجابة بسيطة..... لأن ذلك الحراك يخص كل شخص من العالم كان هدف هذه المظاهرة «رفض تسليح الحياة» هذه المظاهرة أبرزت قوتها وتواجدها ونموها هل من العيب أن نمنح أنفسنا فُرصة للبدء من جديد (بمشروعنا الاجتماعي) وننقذ ما تبقى.. والذي يتم الآن تخريبه سلطوياً.
هل هذا متاح لنا...:- نعم... وأمامنا فرصة كبيرة لكي نتجاوز مراحل لم نكن نتمكن من تحقيقها. سألتهُ مستغرباً: كيف؟! نظر إليّ مستغرباً لاستغرابي؟! ساعات نتحدث ونتحاور... ثم تسألني كيف؟! إنَّ الكيف؟! هو... أن نسمح لمجتمعاتنا أن تنقذنا... العالم لم يَعُد يقبل وجود قوى متمايزة في هذا العالم الذي يقوم على السلام والأمن والتواصل، لا وجود للإرهاب الليبرالي القديم والجديد ولا وجود للإسلام السياسي، ... من الممكن بناء اقتصاد معرفي... من السهل جداً بناء المصانع وأجهزة الاتصال والإليكترونيات... في العالم المسالم الآمن المتواصل... لكن لا لبناء مصانع الطائرات المُدمّرة ، أمامنا فرصة، متاحة أن نتواصل اجتماعياً وكونياً. هذا هو الأمل المتاح! الذي أرى نوره بازغاً قادماً وهو المَخرج للأزمة... سيسقط الإرهاب الليبرالي الجديد المتمايز، سيسقط الإسلام السياسي المتمايز، سيسقط في بلادكم الصابر، سيرجع البلد منارة اهتداء لكل مجتمعات المعمورة... سينتصر المجتمع العالمي، ومجتمعكم حتماً سيكون له دور عظيم فيه، وفي إطاره يتحقق المشروع الاجتماعي... وليكن القومي – الإنساني أو الحضاري – الإنساني...... واستمر بالحديث... هل تعلم أنه بعد كل صراع كوني كانت مصائرنا بيد أفراد... لذا علينا كمجتمعات بشرية أن نعمل، أن ننقل مصائرنا إلى مجتمع يمثل قواه.: هل من الممكن أن نخلص إن الليبرالية ليست الحل، وأن الدين ليس الحل وأن القومية ليست هي الحل... أجاب البحار... بالتأكيد وهناك شواهد على ذلك ما تفعله السلطة الكبرى ضد المجتمع! مثال صارخ لسلطة بشعة. والدين هو جزئية اجتماعية تمت تجربتها واستغلالها من قبل السلطة السياسية وخلال قرون لم تؤدِّ إلاّ إلى الخراب الاجتماعي – طوائف متعاكسة مع بعضها، وتطفل على المجتمع من خلال الأوقاف! والقومية تؤدي إلى صراع – قومي – قومي – وهذا واضح في كل بلدان المعمورة التي تضم أكثر من قومية، إن الصيغة الاجتماعية المطروحة – المجتمع يحدد الخيارات – المجتمع هو الذي يختار والمجتمع لا يمكن أن يختار ما هو ضد الطبيعة وضد ذاته. إن المكوّن الاجتماعي الحر الخالي من السلطة هو البديل لما يحدث من أزمات مختلفة. الحد الفاصل بين (التاريخ السلطوي) و(التاريخ الاجتماعي). لقد بدأ التاريخ الاجتماعي، السلمي، القومي، الكوني، اللاسلطوي، التعاوني، التعايشي، التواصلي، المعرفي.
*****
د.المفرجي الحسيني
العراق/بغداد
21/7/2017
المجتمع يحدد الخيارات

--------------------
أحد أزقة مدينتي القديمة التي بدأت تندثر بصفتها تراث تاريخي بعد انهيار بيوت الأزقة لعدم الإدامة، أو بعد أن هجرها أهلها خوفاً من سقوط جدرانها وسقوفها عليهم جرّاء الصواريخ الذكية التي تتجول بحرية في سماء المدينة منذ ثلاثة عقود خلت أو بسبب أزيز الطائرات الخفية التي يفتخر بها صانعوها لأنها تصيب أهدافها بدقة ، أو أنهم هربوا أو هاجروا ... الأزقة التي تحتضن البيوت القديمة، التقيت بصديقي البحّار!، كل شيء أصبح غريباً في بلادي! كنت أبحر وصديقي منذ سنوات ، فقد ورثت سفينة شراعية جميلة، خشبها متين حتى أشرعتها، لازالت كما هي . سفينتي أودعتها أحد الخلجان غير المعروفة فهي في أمان... وتنتظر أن نبحر بها مرة أخرى؟!... نحن نسير الهوينا في الأزقة نتجاذب ذكريات ... قال: منذ زمن كان الناس في سلام وأمان والمجتمعات أكثر تآلفاً يعيشون بحرية .لا تجد جائعاً بينهم، منذ مئة سنة ونيف.. التدمير طال كل شيء..، رائحة الموت تنبعث منه رائحة ودخان الأبنية المحترقة والجثث، تتصاعد ، لأن الحرب أزمة سلطة؟! نظرت إلى وجه البحّار علاه القنوط والاستغراب: هل تريد أن تقول لي أنه بعد كل حرب نخسر السلطة؟!... أجبته: نعم! لاحت على محياه الابتسامة:... سقطت السلطة وبقي المجتمع... المجتمع الذي يتجاوز الأزمة ويضمد الجراح! : السلطة قوة طفيلية غير اجتماعية تقوم على نهب مُنتج المجتمع بوسائل عسكرية ومالية احتكارية ولا يمكنها أن تكون من دون ذلك.. لا مجتمع – لا سلطة.. لكن المجتمع كقوى قادرة على الإنتاج يتمكن من العبور. بينما السلطة تسقط وتتبدل، لا يمكن لأي سلطة في التاريخ أن تبرز دون نهب قوى المجتمع (الجيش، والمال) وهي قادرة على إنتاجهما من خلال سلبهما من قوى المجتمع فيحدث صراع داخلي لأن المجتمع يقاوم أن يُنهبْ عندما يقترب من الانتصار على السلطة تنقل أزمتها إلى الخارج عبر حروب... وسكت البحار وَهَمَّ بإخراج لفافة تبغ لكنه أرجعها إلى العلبة ورمى العلبة في سطل الأوساخ... وهو يردد: إلا بُعداً لها... (كما بَعُدت عادٌ وثمود)! هكذا صرّح بعد أن عرّف لي السلطة وكأنه يقرأ أفكاري... سألته استكمالاً لحديثه لماذا تنقل أزمتها إلى الخارج عبر حروب؟ أجاب وبدون تردد، لتتمكن من ضبط المجتمع الداخلي وإشغاله، وسرقة الخارج لتعويض احتياجاتها وتلبية حاجات جيشها وجهازها الإداري المتزايدة. : لكنها تفشل والدليل كل السلطات عبر تاريخ المعمورة الطويل سقطت... : ومن بقي ؟... بقيت المجتمعات!.
لا تستغرب يا صديقي عندما ترى فترة سلام لأصحاب السلطة، فهي هدنة استعداداً لحرب أخرى وكارثة اجتماعية مستمرة لكن لم ولن يتوقف المجتمع عن المواجهة وبرزت قوة مُجسدة بوظائفه كحقيقة مؤثرة متبلورة تعمل بإلحاح وشجاعة ضد تلك الأزمات المختلفة من حروب وصراع وتناحر... وهمس:- إذا الشعب يوماً أراد الحياة... فلابد أن يستجيب القدر... بدأ المجتمع مرحلة جديدة، مرحلة التخلص من مركزية السلطة .. ويتحكم المجتمع بقواه المادية والروحية ونشرها بين القطاعات – الاجتماعية – المعرفية ولا تستطيع أي سلطة الاستحواذ عليها... إذن هي مرحلة مختلفة؟... سألته هذا السؤال ورفع إصبعه أمامي معتداً وقال: .. لَنْ... تتمكن السلطة من توظيف قواها لإخضاع المجتمع... بادرني : هل تعرف لماذا..؟! أجبته... كيف لا أعرف:- إن جملة من العوامل حققها انتقال قوى المجتمع المنتجة المادية والروحية من التمركز وسهولة انقضاض السلطة وغرس مخالبها فيها إلى التشعب والانتشار والذوبان بأيدي القطاعات الاجتماعية – المالية وهذا من طبيعة السلطة المعرفية – من الكل وبأيدي الكل – وبالتالي يستحيل على السلطة الاستحواذ عليها وتم تحرير السلطة من صفتها القومية إلى الصفة الاجتماعية... شركات متعددة الجنسيات لعبت دوراً في هذا المجال. كما أن المجتمع يستعد لحسم الكثير من الأزمات الكبرى لأنه وصل إلى مرحلة جديدة من التطور...: من الملاحظ أن المجتمع بدأ يمارس فعلاً كونياً واضحاً وصريحاً يتعلق بالحفاظ على وظائفه الاجتماعية (التواصل، الخلق، الاستمرار، الاستيعاب، التحول، التطور) وبقوة لا مثيل لها وكأنه يعلن الانتصار سلفاً في معركة الإرهاب السلطوي بعد هذه الحرب سيحسم الصراع لصالحه وسيؤسس لمرحلة جديدة عمرها مئات السنين القادمة.: ما سبب استنتاجك الأخير؟!، هزيمة المشروع الإمبراطوري ... و أنظر إليه باستغراب... حتماً باستغرابك هذا تريد أن تقول لي أن دولة ما أصبحت إمبراطورية؟ متى وكيف؟! ومن ثَمَّ كيف تجلّت لك الهزيمة؟! أجيبك:- بعد الحرب العالمية الثانية ، أُعطيت الأموال لإعادة إعمار الدول وأبقت قواعدها العسكرية في مختلف دول العالم. كل ذلك بأموال يهودية صهيونية فاليهود الصهاينة هم الذين استفادوا من نتائج الحرب وسيطروا على اقتصاديات العالم بل وحتى الإعلام العالمي لتحقيق الحلم الصهيوني «أرض الميعاد! أرض الأجداد!»، أما تجليات الهزيمة فقد بدأت مع عجز المشروع عن تشكيل المركزية القومية، انفلات الاقتصاد من يد المشروع عبر السلطة المعرفية، اللاقومية اللاعنفية، الفكرية، المتاحة للجميع، كما يستحيل على المشروع ضبط الحركة الاجتماعية العالمية. كما أن مراكز القوى انقسمت إلى عاصمة السلطة السياسية وعاصمة السلطة المالية، هناك هزيمة أخرى... هزيمة المشاريع التمايزية المرتكزة على الحق المطلق والقوة المطلقة في العالم... أن كل قوة في العالم سعت وتسعى لتحقيق التمايز، كل المشاريع الدينية، الإسلامية والمسيحية – الإسلام شيع وطوائف فهي ليس لها طابع ديني بل طابع سياسي – اقتصادي أكثر منه روحي وأيضاً المسيحية... لكن ما هو البديل!؟. ... لأتحدث لك عن البديل... الذي صفى حساباته ويُصفيها مع الكتل التمايزية، طبعاً البديل الاجتماعي هذا البديل الآتي بقوة لكنه يتميز أنه لا عنفي، لا يسعى إلى تشكيل سلطة ذاتية – تمايزية لا قومي ولا عرقي ولا ديني، أهدافه السياسية شاملة... هذا القادم الآتي الكوني: حركة اجتماعية – كونية علمية لا تمايزية، يحقق فيها الفرد ما يصبوا إليه في إطاره الاجتماعي الطبيعي ويستعيد ما سلب منه يدعمه المجتمع المنتصر سلفاً لأنه حافظ، على وظائفه وتنوعه، المجتمع... يستوعب الدين، يستوعب الأغنياء والفقراء، يستوعب الأزمات...:- لكن الدين لا يستوعب كل الأديان أو أنه لا يستوعب المجتمع، ولا يحتمل التناقضات كما يحتملها المجتمع،.. المجتمع يقبل التحول، بينما الذي يحمل سمة التمايز النهائي لا يمكن أن يستوعب الآخر:.. لا أغمز من قناة الدين بل للدين وظيفة في سياق المجتمع فإذا لم يكن المجتمع موجوداً فلا وجود للدين ولا يمكن للجزء الديني أن يُسيطر على الكل الاجتماعي لكن الدين يُستغل في إطاره الروحي ليخدم السلطة التي عملت وتعمل على تخريبهُ وتحوله من دين له وظيفة اجتماعية إلى دين له وظيفة سياسية خادمة للسلطة ثم تجعله متعارضاً مع المجتمع، والسلطة تفتعل أكثر من هذا بكثير لكي تستمر. ومن هذا المنطلق . لابد من الدخول في المواجهة السلمية المطروحة عالمياً ضد كل مشاريع التمايز التي تقوم في جوهرها على العنف لتحل محلها مشاريع اجتماعية (هيئات، مؤسسات، نقابات، منظمات، تجمعات، أفراد، تعاونيات...) متجاوزة أدوات العنف... الجيش. والاحتكار الاقتصادي. هممت بالحديث قلت: يا بحّار...؟! أتدري بعد هذا العرض السريع لأحداث مضت... إني أتخوف من أن نبدأ من جديد.. قومياً..!؟ إذ اتضح فشل المشروع القومي وانتهى عالمياً؟ كما أخشى أن نبدأ ليبرالياً... حيث الصيحات هنا وهناك تدعو إلى الليبرالية كمنظومة سلطوية تجسدها (النظم المتوحشة).. والتي تتهاوى!... وأخشى أن نبدأ دينياً على أنقاض دين تم إفساده من قبل السلطة عبر مئات السنين فيُجعل ركيزة من ركائز الحكم. الدين لا يقود المجتمع، حتماً المجتمع هو الذي يقود الدين «لا مجتمع، لا دين»...: رداً على مخاوفك أتعرف ما هو الصحيح. أن نبدأ اجتماعياً؟!... نبدأ من المؤسسة المفتوحة التي لم تُخرب، وبقيت صعبة المنال على كل محاولات السلطة في إفسادها وتدميرها!... المجتمع... يستوعب الجميع بما فيهم الأعداء... علينا أن نندفع بقوة شجاعة إلى مثل هذه القوى الحية. نحن بحاجة إليها... نعيش فيها... ومنها... وإليها... هذه القوى الحية تستوعبنا جميعاً رغم تناقضاتنا وتفرعاتنا المتناقضة.... هل لي بالاستفسار: ما الذي يجعل الاخر يتظاهر ضد سلطة ما؟ وكثير من هذه الأمور تحصل في شعوب المعمورة... إن الإجابة بسيطة..... لأن ذلك الحراك يخص كل شخص من العالم كان هدف هذه المظاهرة «رفض تسليح الحياة» هذه المظاهرة أبرزت قوتها وتواجدها ونموها هل من العيب أن نمنح أنفسنا فُرصة للبدء من جديد (بمشروعنا الاجتماعي) وننقذ ما تبقى.. والذي يتم الآن تخريبه سلطوياً.
هل هذا متاح لنا...:- نعم... وأمامنا فرصة كبيرة لكي نتجاوز مراحل لم نكن نتمكن من تحقيقها. سألتهُ مستغرباً: كيف؟! نظر إليّ مستغرباً لاستغرابي؟! ساعات نتحدث ونتحاور... ثم تسألني كيف؟! إنَّ الكيف؟! هو... أن نسمح لمجتمعاتنا أن تنقذنا... العالم لم يَعُد يقبل وجود قوى متمايزة في هذا العالم الذي يقوم على السلام والأمن والتواصل، لا وجود للإرهاب الليبرالي القديم والجديد ولا وجود للإسلام السياسي، ... من الممكن بناء اقتصاد معرفي... من السهل جداً بناء المصانع وأجهزة الاتصال والإليكترونيات... في العالم المسالم الآمن المتواصل... لكن لا لبناء مصانع الطائرات المُدمّرة ، أمامنا فرصة، متاحة أن نتواصل اجتماعياً وكونياً. هذا هو الأمل المتاح! الذي أرى نوره بازغاً قادماً وهو المَخرج للأزمة... سيسقط الإرهاب الليبرالي الجديد المتمايز، سيسقط الإسلام السياسي المتمايز، سيسقط في بلادكم الصابر، سيرجع البلد منارة اهتداء لكل مجتمعات المعمورة... سينتصر المجتمع العالمي، ومجتمعكم حتماً سيكون له دور عظيم فيه، وفي إطاره يتحقق المشروع الاجتماعي... وليكن القومي – الإنساني أو الحضاري – الإنساني...... واستمر بالحديث... هل تعلم أنه بعد كل صراع كوني كانت مصائرنا بيد أفراد... لذا علينا كمجتمعات بشرية أن نعمل، أن ننقل مصائرنا إلى مجتمع يمثل قواه.: هل من الممكن أن نخلص إن الليبرالية ليست الحل، وأن الدين ليس الحل وأن القومية ليست هي الحل... أجاب البحار... بالتأكيد وهناك شواهد على ذلك ما تفعله السلطة الكبرى ضد المجتمع! مثال صارخ لسلطة بشعة. والدين هو جزئية اجتماعية تمت تجربتها واستغلالها من قبل السلطة السياسية وخلال قرون لم تؤدِّ إلاّ إلى الخراب الاجتماعي – طوائف متعاكسة مع بعضها، وتطفل على المجتمع من خلال الأوقاف! والقومية تؤدي إلى صراع – قومي – قومي – وهذا واضح في كل بلدان المعمورة التي تضم أكثر من قومية، إن الصيغة الاجتماعية المطروحة – المجتمع يحدد الخيارات – المجتمع هو الذي يختار والمجتمع لا يمكن أن يختار ما هو ضد الطبيعة وضد ذاته. إن المكوّن الاجتماعي الحر الخالي من السلطة هو البديل لما يحدث من أزمات مختلفة. الحد الفاصل بين (التاريخ السلطوي) و(التاريخ الاجتماعي). لقد بدأ التاريخ الاجتماعي، السلمي، القومي، الكوني، اللاسلطوي، التعاوني، التعايشي، التواصلي، المعرفي.
*****
د.المفرجي الحسيني
العراق/بغداد
21/7/2017
Comments
Post a Comment