التراث.... الاختزال والتاويل (5) ------------
احمد ابو حازم
اما احمد بن حنبل فانه يدعو المسلمين الى مبايعة
المستبد المتقلب بامره برا كان او فاجر، فالعدالة ليست شرطا عنده والخروج على ائمة
الجور منكرا، واذا قام اكثر من مستبد وتنازعوا وانقسم الناس فان ابن حنبل يدعو ان
تكون صلاة الجمعة – ومن ثم التايد- مع من غلب. نفس الموقف يراه ابن جماعة
(639-773) هجرية وهو من علماء (السلف) عندما يصور الامر كما لو كان غاية تجب
الطاعة فيها للاقوى من المستبدين حتى لو كان جاهلا فاسقا، فاذا اطاح به فاسق جاهل
اخر كان هو الامام ويقول ايضا:( ان خلا
الوقت من امام فتصدى لها من هو ليس من اهلها وقهر الناس بشوكته وجنوده بغير بيعة
او استخلاف انعقدت بيعته ولزمت طاعته لينتظم شمل المسلمين وتجتمع كلمتهم ولايقدح في ذلك كونه جاهلا) ترى هل بعد هذا
سينتظم شمل المسلمين-؟؟!!
الماتريدية والاشعرية انكروا عزل الامام بالجور
والفسق، سواء اكان فسق جارحة او فسق اعتقاد..(
لان فسقه لايخرجه من الملة ولايمنعه من النظر فيما نصب له، فلايجب خلعه
سواء اكان الفسق متعلقا بافعال الجوارح وهو ارتكاب المحظورات...كاخذ الاموال وضرب
الاعناق وتناول النفوس المحرمة وتضييع الحقوق وتعطيل الحدود وشرب الخمر ونحو
ذلك... او كان فسق متعلق بالاعتقاد فلا يجب خلعه لان ذلك يعدو من الامور المنكرة)
ومن عجب ان اصحاب هذا المذهب يوجبون عزل الامام اذا ضعف بصره ولايوجبون عزله اذا
جرحت علاته فسق وفجر وذهب في الناس مذهب الجور والظلم والاستبداد.
اما الذين يقارعون السلطان ويعارضون سلتطته
المطلقة ويحتجون على فساد سلطته وفسقه وتحلل سلوكه ونقد جبروته حكمة بمنطق العقل
والحكمة فان فقهاء السلطان يشهرون في وجودهم طائفة من التاويلات والاختزالات
للنصوص المقدسة في غير موضعه، فالاية 45 من سورة الاعراف تقول :( الذين يصدون عن سبيل الله ويبتغونها عوجا وهم
بالاخرة كافرون) بالتاويل الخاطىء لمفاهيم خطاب هذه الاية احرقت مؤلفات ابن رشد
فمفهوم الاية واضح وصريح ومعروف من انها تعني الكفار والمشركين الذين يعارضون الله
ورسوله معارضة صريحة وينكرون ما جاء في الكتاب ( القرآن)، ولكن شراح السلطان على
مر الدهور والازمان يشهرونها في وجه من انتقد الظلم والجور والفساد كان ذلك
الانتقاد مصوب الى النص المقدس وبالتالي فهو موجه للسلطان بحسب تكفيرهم وهذا في
اعتقادهم كفر بين ويصورون للسلطان على انه هو وحده من بيده الحل والعقد وهو وحده
الذي يجلس على مقعد التاويل وهو من يمثل ظل الله في الارض حتى ولو كان جاهلا
فيتحول المضمون السامي للاية الى معن اخر يمكن ان يطال بالعقاب من لدن هكذا سلطان
من هم اكفا واكثر معرفة واكثر علما واعمق دراية بامور الدين واكثرهم ايمانا واقرب
الى عين الصواب والاكثر ميلا للعدل والانصاف منه. وهكذا يصورون ان المنطق والعقل
انما ضد السلطان وبالتالي فهو الامر الاعوج عينه والذي لايصدع الا من لدن كافر حتى ولو كان من يقوم بفعل النقد من
العلماء والمتفقهين في الدين والعارفين لبواطن اسراره والمدركين لشرائعه واحكامه
طالما تقاطع ذلك مع جور السلطان واعوجاج حكمه. وفي الاية(91) من سورة الاعراف يقول
الله تعالى في محكم تنزيله :( ولو ان اهل
القرى امنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن كذبوا فاخذناهم بما
كانوا يكسبون) الخطاب هنا موجه لكافة الناس وبالتالي فهو يشمل الجميع حاكما
ومحكوما ولكن اغلب الشراح والمفسرين الذين ارتبطوا بالسلطة ( علماء السلطان)
ياولون معنى الاية في اتجاه يحد من اطلاقها وعموميتها فيستثنون في تلك السلطان
كانه ليس من اهل القرى حتى لو كان ذلك السلطان فاسدا وجائرا وفاسقا، ويتم اختزال
الايه في عدم نزول البركة على الرعية بسبب عدم ايمانها وتقواها ويظل السلطان شبه
مقدس وشبه منزه وهو غير معني بالخطاب الذي تشتمل عليه الاية الكريمة.
ربما يكون المجتمع فاضلا (على سبيل المثال) وقد
يكون الحاكم عكس ذلك فبدلا من ان يوجه المؤول او الشارح خطاب الاية الى الحاكم حتى
يؤوب الى رشده والى جادة الصواب نجده يتجاوز ذلك خوفا من السلطان او تقربا له او
مساعده في تخويف الرعية حتى يسهل قيادهم فيختزل اتجاه الخطاب دون الحاكم كانما
الحاكم ليس من اهل القرى وليس معنيا بذلك الخطاب والامثلة في الراهن العربي بشكل
عام والراهن السوداني بشكل خاص لاحصر لها ففي ظل الاسلام السياسي الحاكم في
السودان مثلا برزت اسماء عديدة وتاويلات مختلفة لاحصر لها تنشر التسطيح وتقدم فقه
الضرورة مما اوجد جماعات تتظاهر بسم الاسلام تعتدي على المسلمين في المساجد
بالرصاص الحي جراء تاويلاتهم الخاطئة ونظراتهم المتزمته للدين. فالله سبحانه
وتعالى وصف نفسه بالعادل والمنصف، والعدل احد اسماء الله الحسنى ولكي يتماهى ولي
الامر مع درجته التي نصتها الاية فعليه ان يتصف بالعدل والانصاف ليحفظ قدسية النص
فيقوم بواجبها خير قيام مستانسا بنصائح اهل العلم ومن هم من اهل المعرفة وخزانتها
وينبغي عليه لزاما ان يتصف بالمعقولية في تصرفاته العامة والخاصة والتي تميزه عن
العامة من الناس وتؤكد اهليته لما نصب له والا- فاذا كان رب البيت ضاربا ( للدف)
فشيمة اهل البيت الرقص والطرب.- ولطالما الحديث يسحبنا الى وصف وليلا الامر
بالمعقولية والرزانة في المعرفة والسلوك والتجرد من الاعواء الخاصة واقصاء الذاتي
لمصلحة الموضوعي فان التاريخ الاسلامي في الفترة التي تلت وفاة الرسول عليه الصلاة
والتسليم لاتحدثنا عن وال تنطبق عليه الشروط المضمرة في الاية فيمايختص بماهية ولي
الامر ولانجد واليا عالما او عالما واليا الا لماما وقد تمكن من ذكر ثلاثة
فقط وهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه والامام
علي كرم الله وجهه وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، واذا كان عمر بن الخطاب وعلي
بن ابي طالب قد عاصروا الرسول صلى الله علية وسلم وشهدا حكمه ونهلا من معين معرفته
وتقواه فان المسافة الزمنية التي تفصل بينهم وبين عمر بن عبد العزيز كبيرة ومع ذلك
فقد اقتفى اثرهم في العدل والانصاف والعلم. وعلى الرغم من ذلك فقد تحفظ المعتزلة
على امامية رغم علمه وزهده وتجرده من الاهواء الذاتية ومصدر تحفظ المعتزلة عليه في
بادىء الامر هو ان احد شروط الامامية لديهم لاتنطبق على عمر بن عبد العزيز وهو
الاختيار فقد جاء عمر بن عبد العزيز الى الحكم عن طريق الوراثة من البيت الاموي
وليس عن طريق الاختيار الا ان المعتزلة اجازوه فيما بعد لعدله وانصافه خصوصا عندما
بدا بلحمته واهل بيته فاخذ ما كان بايديهم وسمى اعمالهم ( المظالم) واشاع السلام
العام واوقف الفتوح التي كانت قد فقدت صلتها بحرب الدعوة الى الاسلام وحمايتها
وتحولت الى غزو يجمع به المغانم وتستنفد طاقات القبائل حتى لاتثور او تتمرد ،
واوقف جباية الجزية، وحين شرع في بحث مسالة الحكم وفكها من التوريث الى الاختيار،
قتل مسوما قبل ان يبت في ذلك قبل ثلاث ايام.------------ يتبع * المراجع
- الصورة السردية/ قراءة في التجليات النصية/ د شرف الدين ماجدولين- بلاغة النص السردي القديم ومفهوم التاويل/ محمد مشبال/ كاتب من المغرب/ مجلة الحرين
- الغيب والشهادة في فكر الغزالي / انيس الزيادي
- مجلة الكاتب العربي/ السنة 1987م قائع ندوة الكاتب العربي
- المعتزلة والثورة/ الدكتور محمد عمارة/ اصدار دار الهلال1984م
- تحليل النص السردي- معارج بن عربي نموذجا/ سعيدالوكيل/ اصدارة الهيئة المصرية العامة 1998م
- بنية السرد في القص الصوفي/ المكونات والوظائف والتقنيات/ الدكتورة ناهضة ستار/ منشورات اتحاد الكتاب العرب / دمشق 2003م- مجلة الموقف الادبي العدد 128/1981م
Comments
Post a Comment