Skip to main content

يوميات سارق نحاس: ذهب المضطر نحاس (1-2) د.عبد الله على إبراهيم

يوميات سارق نحاس: ذهب المضطر نحاس (1-2)
 د.عبد الله على إبراهيم
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏‏نظارة‏ و‏لقطة قريبة‏‏‏‏
أصابتني عدوى حمى تعدين النحاس في صبينتي في منتصف الخمسينات بحلة التمرجية بالداخلة الجديدة بمدينة عطبرة. وقد سرت هذه الحمى في جيلي نهرول من لسعها إلى الحفر التي من خلف مستشفى المدينة كلما أطل قطر نفايات ورش السكة حديد بعد ظهر كل جمعة ليرمي بأثقاله في تلك الحفر بغية ردمها. وكان تعديننا للمعدن النفيس يلوثنا ولا نعود منه إلا بحصيلة لا تثمن ولا تغني من جوع متى بعناه لتجار المعدن بالحي مثل بكري وود بدق. ثم اكتشفت ضمن عصبة من الأصدقاء أن بوسعنا الحصول على النحاس بغير عناء تعدينه من تلك الحفر العصيبة. فأخذنا نسرقه من مظانه.
 كانت السكة حديد هدفاً للحرامية. واشتهرت سرقة البوهية في ورشة النقاشين. وحكى لي الأخ وراق طه عن زميل لهم نقاش من المولدين (من ذوي الأصول المصرية) قبضوا عليه يحمل في عمود فطوره بوهية بيضاء. فما كان منه إلا أن اخذ شئياً منها بأصبعه وراح يذوقها بلسانه قائلاً: "والله مِش يا شاويش. والنبي تضوقو حتى." ولا أعرف كيف جازى الشاويش هذا اللص الظريف. وأكثر السرقة كانت لأزيار القاطرات البهية الملساء بلونها البيجي الصقيل، وللفلنكة وهي قطع الخشب المستطيلة المسندة التي توضع من تحت الخط الحديدي فتحفظ قوامه. وكانت سرقة هاتين المادتين مما ابتلى الله بهما عماً لنا عٌرف في مستقبل الأيام ب "عم بحري" لأنه هو الذي جاء للدنيا بوظيفة القومسينجي للتاكسي وابتدع صيحة "بحري نفر". رحمه الله. كان ضاربها برطوش بمتع محدودة دقيقة ومكررة.
 ولو لم يكن الصبا حالة تستعلي على النصح لامتنعت عن السرقة بالكلية. فما زلت اذكر يوم أخذني الوالد إلى حراسة بوليس السكة حديد بمبنى رئاسة شرطة مديرية النيل الحالية لفك العم بالضمان بعد واحدة من تعدياته على السكة حديد والقانون. وكان الوالد يحب ابن عمه ويريد له الخير. وكان يشترى له أقفاص البرتقال المصري ليبيعها ليكسب حلالاً. وما أجدى ذلك. فقد كان عمي "يموت" بمال البرتقال ويعود إلى عشقه الخطر لفلنكة السكة الحديد. وسيجد قارئ مسرحيتي " السكة الحديد قربت المسافات. . . وكثيراً" أنني استوحيت شخصية "عتيمين " من حياة هذا العم الواقعية جداً والمجازفة والماكرة بما في ذلك مشاركته في الحرب على الجبهة الحبشية في الحرب العالمية الثانية. ومن غرائب الصدف انني كنت في منتصف السبعينات متخفياً من عين الأمن الساهرة على الشيوعيين بمنزل بالديوم الشرقية. وكنت أكتب أيامها فصول مسرحية "السكة الحديد" فإذا بي أسمع صوت عم بحري بنداءاته المميزة في الشارع وقد عاج إلى خمارة الديوم وعاد منها شبعاناً جداً. ولم أدر ما أفعل. هذا صوت عمي في الشارع وهذا وحيه على الورق. رحمه الله. كان ضاربها جزمة.
 ولم انتصح دون سرقة النحاس وقد رأيت حراسة البوليس عياناً بياناً. وربما قال القائل إن الصبي يظن السجن للرجال ممن هم أكبر. ولكننا كنا نعرف جيداً أن مصير المنحرفين ممن في عمرنا هو الإصلاحية. وكنا نعرف بالاسم من مر بمدرستها. صفوة القول إننا ربما كنا "نلعب" على كرت أننا أذكى من أن نقع في قبضة البوليس. ولم يكن هذا مجرد تذاك منا. فقد أعددنا سرقاتنا بذكاء ما زلت أدهش له. لم نترك فرجة للفشل أو مدخلاًً للشرطة أو باباً للإصلاحية. وقد تميزنا بالذات بحكمة في توقيت للسرقة لا يخر مويه. فقد حدثتكم عن كيف اخترنا لسرقة نحاس جارنا تاجر الحلة ود الحسين وقت القيلولة بعد صفارة الساعة الثانية وغداء المدينة المتعبة. وهو وقت الموت الأصغر للمدينة.

Comments

Popular posts from this blog

Mona Farouk reveals scenes of "scandalous video"Egyptian actress Mona Farouk appeared on

Mona Farouk reveals scenes of "scandalous video"Egyptian actress Mona Farouk appeared on Monday in a video clip to discuss the details of the case she is currently facing. She recorded the first video and audio statements about the scandalous video that she brings together with Khaled Youssef.Farouk detonated several surprises, on the sidelines of her summons to the Egyptian prosecution, that Khalid Youssef was a friend of her father years ago, when she was a young age, and then collected a love relationship with him when she grew up, and married him in secret with the knowledge of her parents and her father and brother because his social status was not allowed to declare marriage .Muna Farouk revealed that the video was filmed in a drunken state. She and her colleague Shima al-Hajj said that on the same day the video was filmed, she was at odds with Shima, and Khaled Yusuf repaired them and then drank alcohol.She confirmed that Youssef was the one who filmed the clips whil...

الحلقة 20 هنادي المطلقة والمحلل (ماذا قال كتاب العرب في هنادي)-----------Khalid Babiker

• الجنس شعور فوضوي يتحكم في الذات والعقل . وله قوة ذاتية لا تتصالح إلا مع نفسها . هكذا قال أنصار المحلل الحلقة 20 هنادي المطلقة والمحلل (ماذا قال كتاب العرب في هنادي) أول طريق عبره الإنسان هو طريق الذكر . بعدها شهق وصرخ . تمرغ في الزيت المقدس . وجرب نشوة الأرغوس . عاجلا أم آجلا سيبحث عن هذا الطريق ( كالأسماك تعود إلى أرض ميلادها لتبيض وتموت ) . وسيعبره . سيعبره بحثا عن الديمومة . وسيشهق وسيضحك . لقد جاء إليه غريبا . سيظل بين جدرانه الدافئة غريبا . وحالما يدفع تلك الكائنات الحية الصغيرة المضطربة في الهاوية الملعونة سيخرج فقيرا مدحورا يشعر بخيانة ما ( ..... ) . لن ينسى الإنسان أبدا طريق الذكر الذي عبره في البدء . سيتذكره ليس بالذاكرة وإنما بالذكر . سيعود إليه بعد البلوغ أكثر شوقا وتولعا . ولن يدخل فيه بجميع بدنه كما فعل في تلك السنوات التي مضت وإنما سيدخل برأسه . بعد ذلك سيندفع غير مبال بالخطر والفضيحة والقانون والدين . الله هناك خلف الأشياء الصغيرة . خلف كل شهقة . كل صرخة مندفعا في الظلام كالثور في قاعة المسلخ . الله لا يوجد في الأشياء الكبيرة . في الشرانق . في المح . ينشق فمه . تن...

Trusting Liar (#5) Leave a reply

Trusting Liar (#5) Leave a reply Gertruida is the first to recover.  “Klasie… ?” “Ag drop the pretence, Gertruida. You all call me ‘Liar’ behind my back, so why stop now? Might as well be on the same page, yes?” Liar’s face is flushed with anger; the muscles in his thin neck prominently bulging. “That diamond belongs to me. Hand it over.” “What are you doing? Put away the gun…” “No! This…,” Liar sweeps his one hand towards the horizon, “…is my place.  Mine!   I earned it! And you…you have no right to be here!” “Listen, Liar, we’re not the enemy. Whoever is looking for you with the aeroplane and the chopper….well, it isn’t us. In fact, we were worried about you and that’s why we followed you. We’re here to help, man!” Vetfaan’s voice is pleading as he takes a step closer to the distraught man. “Now, put down the gun and let’s chat about all this.” Liar hesitates, taken aback after clearly being convinced that the group  had hostile intentions. “I…I’m ...