الدكتورة اشراقة مصطفى حامد-من عاملة نظافة الي الافق العريض..... وهنا فيينا:
فصل من: (الدانوب يعرفني، الوجه الآخر لسيرة الأنهار.)..

هذه المنحة محسوبة بدقة...لاتذيد ولا تنقص...لذا لابد من عمل اضافي بل اعنال اضافية ولتكن روحي متعبة لحد التلاشي وجسدي منهوك وخائر، اللعنة، ما الذي يجبرني أن أعمل هذه الأعمال، عاملة نظافة لدى أسرة عربية، يحاولون تنميق هذه { المهنة} بأني مربية لأطفالهم ولست منظفة، يصطك سؤال جدتهم التي جاءت لزيارتهم، {شوف البنت دى أخدت الزبالة}، نعم أخذتها وقمت بتنظيف الثلاثة طوابق، الحمامات تلمع من النظافة حتى يطيب لكم الجلوس فيها طويلا حين يصاب أحدكم بالتخمة. رددت فى سرى العن هذا العمل والعن الشلنات الآتي لا يغنين من جوع، أتماسك حين تهاجمني بحنان قاسى وجوه أهلي وأحلامهم بان يتغير الحال يوما ونكون { زي الناس}
أخرج أجرر قدماي الواهنة التي قادتني إلى هذا المصير، إلى بلاد لم أتتبين بعد صهوة شموسها ولم تخصني يوما بحكاية دافئة تدثر روحي من غربتها وتهويمها فى جبال الألب الباردة.
يبدأ يومي معهم الثامنة صباحاً، أصحو عند السادسة وأحاول أن أخمد أنفاس المنبه لأنام ولو دقيقة إضافية واحدة، بنصف عين اغسل جسدي بالماء الدافئ بعدما ما أكون قد علقت روحي على شماعة الزمن الميت. اللعنة يجب أن أسرع وإلا سيفوتني القطار، ساعة كاملة ما بين هولابرون، المدينه الجميلة الهادئة وفيينا الصاخبة، أخذ مكاني وما زلت أحاول ترتيب روحي بعد أن أعدتها على جسدي وأحاول أن أفتح عيني حتى أتأمل هذه الوجوه الباردة التي لا تبان فيها ملامح ابتسامه، يا صباح الرحمن يا عالم، { هم مالهم عاملين كده، ما لهم جامدين ذي جليدهم ونظراتهم لا تهتم بوجودي، الكل يشغل نفسه، امرأة مسنة جميلة الملامح كدتها جدتي {بت ابوشالية}، لولا أن وجهها يخلو من الشلوخ التي كانت تميز جمال جدتى. يقف القطار العادي الذي كنت احبه أكثر من السريع لان الأول يقف فى كل القرى، ما أجمله من ريف، الفيلات يسكنها الهدوء والستائر مسدلة، كانت لي أمنية واحدة هي أن أكون نائمة مثلهم فى هذا النعيم السرمدي، أمنية واحدة أن أغفو ولو الإغفاءة الأخيرة.
تائهة روحي، منهكة قصائد المستحيل ونجماتي إلى خبأتها قصيا فى جوف محارة الذكريات الخاصة جدا طالها الشحوب. يقطع حبل تفكيري { الكمساري} أي الكنترول أو ما يسمى من قبل الطلاب الفقراء جدا { عباس}، يأتي صارم القسمات يوزع ابتسامات ما أحسستها يوما طازجة كابتسامة {كمسارينا} التي تسبقها الأصوات المتداخلة والعالية جدا وهو يزمجر مطالبا بسعر التذكرة. دانكى، ثم يذهب إلى راكب آخر بينما أكون قد شغلت نفسي بتلك الشابة الشقراء وهى تختطف آخر قبلة من صديقها ومن ثم تأخذ مكانها قبالتي وهى تداعب بحنان بالغ الكلب ذو العجيزة الضخمة، أخذت ألملم جسدي المنهوك حتى لا يلمسني هذا الكلب، لم أكن أعرف انهم أجادوا تربية كلابهم، يغذونها جيدا ولها طبيبها الخاص وتأمينها الاجتماعي. تبتسم لكلبها وتختفي الابتسامة حالما تراني.
آه أتت هذه العجوز المليحة، تذكرني بجدتي من أمي ريا، نحيفة مثلها واكاد اري (شلوخ) أمي حليمة علي وجهها الاليف. كانت تعمل فى إحدى دورات المياه العامة فى {البراتا } بفيينا، رجوتها مرة أن تسمح لي باستخدام التوليت ولكنها رفضت تماما إلى أن أكمل السعر إذ أن ما كنت أملكه اقل بقليل منها، نظرت لها بغيظ لأني كلما رأيتها أحسست بأن مثانتي قابلة للانفجار. لم اري معها احدا ابدا، كانت وحيدة ولكن يبدو عليها السعادة.
عند مدخل فيينا اغادر قبلها علي آخذ الترام حيث هذا العمل الذي يؤذى مسامات التماسك في تدمع عيناي وألعن كل الظروف التي قادتني إلى هذا المكان، تذكرت احمد طه امفريب، محاسن عبدالرحمن، السر السيد مصعب الصاوى وطاهرة محمد احمد، احمد بشارة واسماعيل الاعيسر ووراق، تذكرت نقا شاتنا وأنا أعد إحدى البرامج لإذاعة البرنامج الثاني، وصوت ابي يحزرني ان ادرس دراسة لها مستقبل وان الاعلام رهين باذاعة البيان الاول. آه هذا كان وينبغي أن أركز فى الحاضر، لكن اجترار الذكريات يقويني أحيانا رغم أن أخاف أن يخدرني ويسحبني إلى وهم جميل أدغدغ به أمسياتي التعيسة حين أعود الى غرفتى بالسكن الطلابي فى ذلك المبني الكنسي.
كنت فى أيامي الأولى احسب كل شئ بالجنيه السوداني ، ليست هناك ضرورة لاشترى وجبة مغذية طالما أن هذا المبلغ ذو قيمة كبيرة، الساردين والتونة اللعينة رافقوني إلى زمن قريب. ثلاثة مرات فى الأسبوع اعمل عند هذه الأسرة العربية، أسرة ثرية ورغم ذلك الساعة بالكاد تعادل ثلاثة دولار، كنت حين أخرج عند الخامسة مساء والليل أسدل ستائره على روحي التي تجمدت بفعل قسوة الجليد والغربة، ينبغي أن أسرع حتى لاتفوتنى المحاضرة بالجامعة. أتلكأ فى المسير بفعل الإنهاك الذي نخر عظم روحي، اجلس على كنبة علي الطريق الخلوي بعد أن امسحها من الجليد المتراكم وحيث يقل المارة بهذ الطريق المعزول الآمن أجلس عليها أبكى بحرقة كل أحلامي، انتحب وتنتحب معي كل قصائدي التي آويتها وريد بعيد فى بوبوء نجمة لا تطل على هذه السماء الملبدة بالغيوم،
البكاء يغسلني
يصحيني
ينادى حفيف دفء ما ارتعش له بكل الحنين واجتراح عذاباتى
هذا المكان فى تلك البقعة المتصحرة ينتمي إلى تلك الآهات والدموع السخية.
ينبغي أن اعجل فى خطوتي، هذا البروفسير {الخواجة ابو عيون خدر} كما تسميهم جدتي وكأنها رأتهم من قبل، يرعبني شرحه السريع، حضوري مهم رغم أني لن أفهم ما يقوله، تسجيل المحاضرة وحين أعود لسجني ليلا أحاول أن أرتب هذه الكلمات بقاموسي الذي اهترىء
يقفز وجه جدتي يقويني يسندني وصوت أبي يرتد صداه فى هذه القاعة وكلمات التشجيع التي مازالت تقويني، كنت أعرف بوعي صلب رغم قسوة هذا الواقع بأني سأحقق هذا الحلم الأكاديمي وكنت اركض وراء أسراب أحلامي أن اقف يوما فى هذه الجامعة وأدرس فيها بعد أن سدت سعاد الفاتح عميدة كلية البنات حيينها منافذ التعيين كمعيدة رغم حصولي على مرتبة الشرف فى كلية الأعلام، صوتها الرافض يصطك فى أحلامي
تذكرت كل ذلك وبكيت على ذات الكنبة التي عايشت أحزاني وغربة روحي قرابة منتصف التسعينات.
لم يكن العمل الاول ولم اكن الوحيدة المؤهلة فقد كان غيري من بلادنا التي يسمونها (العالم الثالث). ايامي الاولي فى هولابرون بحثت كثيرا عن عمل وحيث انه قانونيا غير مسموح الا ببضعة ساعات ومع ذلك كانت اللغة حاجز ان ارعي اطفالا او انظف بيتا. اخبرني الطالب المغربي ان الجانب الآخر من المبني وفي طابق تحت الارض عدد من الطلبة عليهم تنظيف هذا المكان مقابل مبلغ لن يسمن ولن يغني هنا من جوع ولكن له قيمته فى بلادنا. رافقته الي المكان، رطوبته خنقتني، عتمته ارعبتني ولكنها دربتني علي الاسفار داخل عتمة نفسي. كنت البنت الوحيدة وسط عدد من الطلبة فيهم سوداني. كل منا تولي نظافة جانب من جوانب هذا النفق، فى البداية كان الصمت مطبق وقاسي ولكن بعد زمن بدأت الضحكات تعلو اذ قال طالب تونسي ربما نجد كنزا من كنوز ازمنة هولابرون القديمة خاصة ان تاريخها القديم يعود الي القرن الحادي عشر ومؤكد ان هناك كنزا منسي منذ تلك الحروب الاليمة. لم يكن احد يعرف الذي عبر هذه المدينة فى العام 1683 ملك بولونيا يوحنا الثالث سوبياسكي ( 1629 م - 1696 م) منقذا فيينا من الاحتلال العثماني، لحظتها سمعت اجراس الكنائس تعلو (كان هناك رجل أرسله الله وكان أسمه يوحنا) كما جاء فى الكتاب المقدس. فى ساعات كان المكانى نظيفا وكان علينا ان نحفر فى الارض ليس لاجل الكنز الذي حلمنا به وانما ذكريات المكان القديم. خرجنا من هناك ورغم مابدا علينا من ارهاق ولكن كان بريق فرح لمحته فى كل العيون. قال لي الطالب التونسي انه سوف يرسل هذا المبلغ الي امه التي تربي فى الايتام وربما تشتري به بقرة. قلت له سوف اشتري بها دواء ازمة لابي.
اكثر الايام التي بكيت فيها هي التي عملت فيها فى احدى المطابع فى حي يبعد كثيرا وعلي اطراف فيينا، فى قاعة كبيرة رايتهم عشرات، يصل عددنا الي الخمسين، نساء ورجال ومن كل الاعمار وكل بلادنا امام الشمس، وجوه تنتمي الي عوالمي، من كل بلادنا المُفقرة، يعملون بسرعة جنونية، لان الحافز المادي يعتمد علي عدد الجرائد التي ادخلت فيها الاعلانات التي يجب ان تصل الي المواطن. الشاب النجيري كان يعمل بهمة ويقول بصوت عالي لزميلته التي تعمل بجواره (لو اكتمل المبلغ سوف ارسله غدا، فعملية امي بعد يومين).. احسست بدموعة التي حبسها تجري نحو محاجري وتنهمر. امرأة عراقية تبدو اكثر كثيرا فى سنها كانت تجاهد لتحصد عدد كبير، فهي لم تحصل علي اوراق ولها من البنات خمسه عليها ان تتولي رعايتهن حتي يطلع الفجر. لا اعرف اي فجر تعني ولكنا عملنا حتي الفجر، لا مجال للنعاس هنا بل هناك مكنة تحلب لك ماشئت من القهوة لتظل صاحيا. حالما وصلت السكن انفجرت بالبكاء، نمت باكية وصحوت وعلي حدقاتي ملح يعرف سره البحر المالح، بكيت وعيوني معلقة علي السقف منتحبة. لا اعرف كم من الزمن نمت ولكني اعرف باني لم احلم الا بالعذابات الطويلة. صحوت راكضة لاقوم بتنظيف المبني الطلابي ومقابل نظافتة يومي السبت والاحد يكون ايجار الغرفة التي اسكنها. ماتلي ذلك من ليالي فى نهاية الاسبوع فى المطبعة كانت اخف وطأة فقد دربت نفسي علي التحمل خاصة ان هناك مبلغا من المال توفر يمكن ان يكمل الحجرة التي ستحتضن امي واخواتي ولحين عودة شقيقي من حرب ضروس يقتل فيها الانسان اخاه الانسان. توقفت عن هذا العمل بعد فترة فقد اثرت حركة اليد السريعة لادخال الاعلانات وسط المجلات او الصحف فى الم فادح علي كتفي اليمين مازلت اعاني منه حتي كتابة هذه السطور.
فى بحثي المستمر عن عمل عرفت ان اتحاد الطلاب يتيح للبعض العمل فى توزيع الاعلانات امام بوابة الجامعة. قابلت احدي ممثلات الاتحاد ووعدتني ان توفر لي عدد من الاعلانات لاقوم بتوزيعها. كان الزمن شتاء قاسي ولم اتعود بعد علي لبس الجوارب التي تقي من زمهرير البرد. اول يوم فاجأتني عاصفة جليدية ولكن العمل عمل. كنت سعيدة بالحذاء الجديد الذي وجدته قرب مذبلة السكن ومن حسن الحظ يناسب مقاسي ال 39. فرحت لان سعر الاحذية الشتوية غالية الثمن لامثالي وعلي ان احسب كل شىء بدقة تشبه دقة مواعيد القطار النمساوي. فى غاية الاندهاش تساءلت عن سبب رمي حذاء يبدو جديدا؟ الرد كان جليا حين عصف الجليد علي الارض وعلي وجهي اثناء ادائي لعملي الجديد، بدأت اتململ اذ ان قدمي اليسار تصطك من البرد عكس القدم اليمين، احسست بها تتجمد ولم اعرف السبب الا حين تحركت نحو مدخل الجامعة حين اشتد عصف الجليد وبدأ الخرم فى الحذاء يخر ماء باردا لدرجة لايمكن التعبير عنها. ابتسمت بل كدت انفجر بالضحك من الصوت الذي احدثته الماء مع حركة القدم. لا جليد يبقي علي الارض لان الخدمات سريعة، تأتي (كراكات الجليد) والعاملين من بلاد الجوار، من طريقة نطقهم للالمانية عرفت انهم بعض من هويتي، هويتي كمهاجرة. بعضهم لا لكنة فى نطقهم ومع ذلك اقتسمنا سويا لفحة الشتاء. سالت مرة احدهم ما اذا بالامكان ان اعمل فى تنظيف الشارع من الجليد، حيث ان رأيت مرة امرأة تعمل فى هذا الفعل المنهك. لم يكن ممكنا لاني لا املك اوراق عمل وبالتالي غير مسموح لي بالعمل فى جعل الشوارع لامعة منعكسا عليها الجليد الذي علي الاطراف.
لا تضيع مني اي فرصة عمل ان وجد، كل تعب يتلاشي كلما شرقت شمس الحلم، حلم ان يكون حال اسرتي افضل.
فى مرة تركت العمل عند اسرة نمساوية بعد ثلاثة ايام فقط وذلك لسبب واحد هو اني علي ان اتجول مع كلبهم الضخم وحتي يتخلص من فضلاته. قلت لها اني اخاف من الكلاب ولا استطيع القيام بهذا العمل وماكنت سوف اتصل لاعمل عندهم لو كان فى الاعلان اشارة الي ذلك. كانت علي حق ان فى الاعلان اشارة كُتبت كملاحظة. الحق يقال كان كلبا مهذبا ولا ينبح الا فى حالة رأي كلبا آخر. غير انها ذكرت لي كل صفاته الجميلة من هدوئه ولطفه ووفائه.
مطعم الساقية لصاحبة السوداني ابراهيم حاكم وفر (لنا) فرصة العمل فى النظافة، وكنت اقوم به مرتين الي ثلاثة مرات فى الاسبوع حتي وانا حبلي بابني. وفي مطعم آخر كان يستفزني احدهم بان علي ان اعيد النظافة وانه يجد لي العزر لان طبيعة بلادنا تختلف ولكن هنا كل شىء يجب ان يكون لامعا من النظافة. كثيرا ماتحرمني العبرات من التعبير عن غضبي ورفضي ومع ذلك كنت اعبر بكل الوسائل وتصل الرسالة.
فى كل هذه التجارب التي قوتني هناك تجربة مميزة، رسمت فى وجداني صورة زاهية حيث عملت مع اسرة نمساوية فى الحي الاول، وفر لي هذه الفرصة الروائي السوداني طارق الطيب حين زارني مرة مع زوجته الانسانة الجميلة اورسولا الطيب فى هولابرون. قلت له عن بعض من همومي واني ابحث عن عمل ووعدني بان يساعدني وسوف يتصل حالما يجد عملا لي. ولم تطل مدة انتظاري اذ قدمني لاسرة في منتهي الانسانية علي ان اساعدها فى ترتيب البيت. لم يكن البيت الانيق الراقي يحتاج الي ترتيب بل كانت تناديني كلما بدأت شىء لاجلس واشرب عصيرا او شاي فواكه، كان نوعا مختلفا من انواع التضامن الانساني.
تجارب ايا كانت قسوتها الا انها دربتني علي تحمل الصعاب ومن قبل فعلت تجربة السودان وكلما اصاب روحي العطب من شدة الالم والوجع ونظرة حسرة علي شهاداتي الجامعية الا ان تجربة السودان وبذات الشهادات كنت ابيع ساندوتشات لبعض زميلاتي وزملائي ابان الدراسات العليا فى الاعلام وقبل مغادرتي السودان، تجربة رغم احساس الاسي باني ادفع مثل غيري من الناشطات والناشطيين السياسين ثمن نشاطي السياسي.
أنا بنت المعاناة والاجتراحات العميقة، بنت الفجر والنساء المكافحات، أمهاتي بائعات الكسرة فى السوق الصغير فى كوستى التي صنعتني من طين وحزن وارادة، و جعلتني احلم واعمل لاجل حلمي باني سأقف يوما أمام هولاء الطالبات والطلبة النمساويين كمحاضرة أدرسهم من تجاربنا، من تاريخ شموسنا وعصارة أناشيدنا.....وها قد كان.!
فصل من: (الدانوب يعرفني، الوجه الآخر لسيرة الأنهار.)..

هذه المنحة محسوبة بدقة...لاتذيد ولا تنقص...لذا لابد من عمل اضافي بل اعنال اضافية ولتكن روحي متعبة لحد التلاشي وجسدي منهوك وخائر، اللعنة، ما الذي يجبرني أن أعمل هذه الأعمال، عاملة نظافة لدى أسرة عربية، يحاولون تنميق هذه { المهنة} بأني مربية لأطفالهم ولست منظفة، يصطك سؤال جدتهم التي جاءت لزيارتهم، {شوف البنت دى أخدت الزبالة}، نعم أخذتها وقمت بتنظيف الثلاثة طوابق، الحمامات تلمع من النظافة حتى يطيب لكم الجلوس فيها طويلا حين يصاب أحدكم بالتخمة. رددت فى سرى العن هذا العمل والعن الشلنات الآتي لا يغنين من جوع، أتماسك حين تهاجمني بحنان قاسى وجوه أهلي وأحلامهم بان يتغير الحال يوما ونكون { زي الناس}
أخرج أجرر قدماي الواهنة التي قادتني إلى هذا المصير، إلى بلاد لم أتتبين بعد صهوة شموسها ولم تخصني يوما بحكاية دافئة تدثر روحي من غربتها وتهويمها فى جبال الألب الباردة.
يبدأ يومي معهم الثامنة صباحاً، أصحو عند السادسة وأحاول أن أخمد أنفاس المنبه لأنام ولو دقيقة إضافية واحدة، بنصف عين اغسل جسدي بالماء الدافئ بعدما ما أكون قد علقت روحي على شماعة الزمن الميت. اللعنة يجب أن أسرع وإلا سيفوتني القطار، ساعة كاملة ما بين هولابرون، المدينه الجميلة الهادئة وفيينا الصاخبة، أخذ مكاني وما زلت أحاول ترتيب روحي بعد أن أعدتها على جسدي وأحاول أن أفتح عيني حتى أتأمل هذه الوجوه الباردة التي لا تبان فيها ملامح ابتسامه، يا صباح الرحمن يا عالم، { هم مالهم عاملين كده، ما لهم جامدين ذي جليدهم ونظراتهم لا تهتم بوجودي، الكل يشغل نفسه، امرأة مسنة جميلة الملامح كدتها جدتي {بت ابوشالية}، لولا أن وجهها يخلو من الشلوخ التي كانت تميز جمال جدتى. يقف القطار العادي الذي كنت احبه أكثر من السريع لان الأول يقف فى كل القرى، ما أجمله من ريف، الفيلات يسكنها الهدوء والستائر مسدلة، كانت لي أمنية واحدة هي أن أكون نائمة مثلهم فى هذا النعيم السرمدي، أمنية واحدة أن أغفو ولو الإغفاءة الأخيرة.
تائهة روحي، منهكة قصائد المستحيل ونجماتي إلى خبأتها قصيا فى جوف محارة الذكريات الخاصة جدا طالها الشحوب. يقطع حبل تفكيري { الكمساري} أي الكنترول أو ما يسمى من قبل الطلاب الفقراء جدا { عباس}، يأتي صارم القسمات يوزع ابتسامات ما أحسستها يوما طازجة كابتسامة {كمسارينا} التي تسبقها الأصوات المتداخلة والعالية جدا وهو يزمجر مطالبا بسعر التذكرة. دانكى، ثم يذهب إلى راكب آخر بينما أكون قد شغلت نفسي بتلك الشابة الشقراء وهى تختطف آخر قبلة من صديقها ومن ثم تأخذ مكانها قبالتي وهى تداعب بحنان بالغ الكلب ذو العجيزة الضخمة، أخذت ألملم جسدي المنهوك حتى لا يلمسني هذا الكلب، لم أكن أعرف انهم أجادوا تربية كلابهم، يغذونها جيدا ولها طبيبها الخاص وتأمينها الاجتماعي. تبتسم لكلبها وتختفي الابتسامة حالما تراني.
آه أتت هذه العجوز المليحة، تذكرني بجدتي من أمي ريا، نحيفة مثلها واكاد اري (شلوخ) أمي حليمة علي وجهها الاليف. كانت تعمل فى إحدى دورات المياه العامة فى {البراتا } بفيينا، رجوتها مرة أن تسمح لي باستخدام التوليت ولكنها رفضت تماما إلى أن أكمل السعر إذ أن ما كنت أملكه اقل بقليل منها، نظرت لها بغيظ لأني كلما رأيتها أحسست بأن مثانتي قابلة للانفجار. لم اري معها احدا ابدا، كانت وحيدة ولكن يبدو عليها السعادة.
عند مدخل فيينا اغادر قبلها علي آخذ الترام حيث هذا العمل الذي يؤذى مسامات التماسك في تدمع عيناي وألعن كل الظروف التي قادتني إلى هذا المكان، تذكرت احمد طه امفريب، محاسن عبدالرحمن، السر السيد مصعب الصاوى وطاهرة محمد احمد، احمد بشارة واسماعيل الاعيسر ووراق، تذكرت نقا شاتنا وأنا أعد إحدى البرامج لإذاعة البرنامج الثاني، وصوت ابي يحزرني ان ادرس دراسة لها مستقبل وان الاعلام رهين باذاعة البيان الاول. آه هذا كان وينبغي أن أركز فى الحاضر، لكن اجترار الذكريات يقويني أحيانا رغم أن أخاف أن يخدرني ويسحبني إلى وهم جميل أدغدغ به أمسياتي التعيسة حين أعود الى غرفتى بالسكن الطلابي فى ذلك المبني الكنسي.
كنت فى أيامي الأولى احسب كل شئ بالجنيه السوداني ، ليست هناك ضرورة لاشترى وجبة مغذية طالما أن هذا المبلغ ذو قيمة كبيرة، الساردين والتونة اللعينة رافقوني إلى زمن قريب. ثلاثة مرات فى الأسبوع اعمل عند هذه الأسرة العربية، أسرة ثرية ورغم ذلك الساعة بالكاد تعادل ثلاثة دولار، كنت حين أخرج عند الخامسة مساء والليل أسدل ستائره على روحي التي تجمدت بفعل قسوة الجليد والغربة، ينبغي أن أسرع حتى لاتفوتنى المحاضرة بالجامعة. أتلكأ فى المسير بفعل الإنهاك الذي نخر عظم روحي، اجلس على كنبة علي الطريق الخلوي بعد أن امسحها من الجليد المتراكم وحيث يقل المارة بهذ الطريق المعزول الآمن أجلس عليها أبكى بحرقة كل أحلامي، انتحب وتنتحب معي كل قصائدي التي آويتها وريد بعيد فى بوبوء نجمة لا تطل على هذه السماء الملبدة بالغيوم،
البكاء يغسلني
يصحيني
ينادى حفيف دفء ما ارتعش له بكل الحنين واجتراح عذاباتى
هذا المكان فى تلك البقعة المتصحرة ينتمي إلى تلك الآهات والدموع السخية.
ينبغي أن اعجل فى خطوتي، هذا البروفسير {الخواجة ابو عيون خدر} كما تسميهم جدتي وكأنها رأتهم من قبل، يرعبني شرحه السريع، حضوري مهم رغم أني لن أفهم ما يقوله، تسجيل المحاضرة وحين أعود لسجني ليلا أحاول أن أرتب هذه الكلمات بقاموسي الذي اهترىء
يقفز وجه جدتي يقويني يسندني وصوت أبي يرتد صداه فى هذه القاعة وكلمات التشجيع التي مازالت تقويني، كنت أعرف بوعي صلب رغم قسوة هذا الواقع بأني سأحقق هذا الحلم الأكاديمي وكنت اركض وراء أسراب أحلامي أن اقف يوما فى هذه الجامعة وأدرس فيها بعد أن سدت سعاد الفاتح عميدة كلية البنات حيينها منافذ التعيين كمعيدة رغم حصولي على مرتبة الشرف فى كلية الأعلام، صوتها الرافض يصطك فى أحلامي
تذكرت كل ذلك وبكيت على ذات الكنبة التي عايشت أحزاني وغربة روحي قرابة منتصف التسعينات.
لم يكن العمل الاول ولم اكن الوحيدة المؤهلة فقد كان غيري من بلادنا التي يسمونها (العالم الثالث). ايامي الاولي فى هولابرون بحثت كثيرا عن عمل وحيث انه قانونيا غير مسموح الا ببضعة ساعات ومع ذلك كانت اللغة حاجز ان ارعي اطفالا او انظف بيتا. اخبرني الطالب المغربي ان الجانب الآخر من المبني وفي طابق تحت الارض عدد من الطلبة عليهم تنظيف هذا المكان مقابل مبلغ لن يسمن ولن يغني هنا من جوع ولكن له قيمته فى بلادنا. رافقته الي المكان، رطوبته خنقتني، عتمته ارعبتني ولكنها دربتني علي الاسفار داخل عتمة نفسي. كنت البنت الوحيدة وسط عدد من الطلبة فيهم سوداني. كل منا تولي نظافة جانب من جوانب هذا النفق، فى البداية كان الصمت مطبق وقاسي ولكن بعد زمن بدأت الضحكات تعلو اذ قال طالب تونسي ربما نجد كنزا من كنوز ازمنة هولابرون القديمة خاصة ان تاريخها القديم يعود الي القرن الحادي عشر ومؤكد ان هناك كنزا منسي منذ تلك الحروب الاليمة. لم يكن احد يعرف الذي عبر هذه المدينة فى العام 1683 ملك بولونيا يوحنا الثالث سوبياسكي ( 1629 م - 1696 م) منقذا فيينا من الاحتلال العثماني، لحظتها سمعت اجراس الكنائس تعلو (كان هناك رجل أرسله الله وكان أسمه يوحنا) كما جاء فى الكتاب المقدس. فى ساعات كان المكانى نظيفا وكان علينا ان نحفر فى الارض ليس لاجل الكنز الذي حلمنا به وانما ذكريات المكان القديم. خرجنا من هناك ورغم مابدا علينا من ارهاق ولكن كان بريق فرح لمحته فى كل العيون. قال لي الطالب التونسي انه سوف يرسل هذا المبلغ الي امه التي تربي فى الايتام وربما تشتري به بقرة. قلت له سوف اشتري بها دواء ازمة لابي.
اكثر الايام التي بكيت فيها هي التي عملت فيها فى احدى المطابع فى حي يبعد كثيرا وعلي اطراف فيينا، فى قاعة كبيرة رايتهم عشرات، يصل عددنا الي الخمسين، نساء ورجال ومن كل الاعمار وكل بلادنا امام الشمس، وجوه تنتمي الي عوالمي، من كل بلادنا المُفقرة، يعملون بسرعة جنونية، لان الحافز المادي يعتمد علي عدد الجرائد التي ادخلت فيها الاعلانات التي يجب ان تصل الي المواطن. الشاب النجيري كان يعمل بهمة ويقول بصوت عالي لزميلته التي تعمل بجواره (لو اكتمل المبلغ سوف ارسله غدا، فعملية امي بعد يومين).. احسست بدموعة التي حبسها تجري نحو محاجري وتنهمر. امرأة عراقية تبدو اكثر كثيرا فى سنها كانت تجاهد لتحصد عدد كبير، فهي لم تحصل علي اوراق ولها من البنات خمسه عليها ان تتولي رعايتهن حتي يطلع الفجر. لا اعرف اي فجر تعني ولكنا عملنا حتي الفجر، لا مجال للنعاس هنا بل هناك مكنة تحلب لك ماشئت من القهوة لتظل صاحيا. حالما وصلت السكن انفجرت بالبكاء، نمت باكية وصحوت وعلي حدقاتي ملح يعرف سره البحر المالح، بكيت وعيوني معلقة علي السقف منتحبة. لا اعرف كم من الزمن نمت ولكني اعرف باني لم احلم الا بالعذابات الطويلة. صحوت راكضة لاقوم بتنظيف المبني الطلابي ومقابل نظافتة يومي السبت والاحد يكون ايجار الغرفة التي اسكنها. ماتلي ذلك من ليالي فى نهاية الاسبوع فى المطبعة كانت اخف وطأة فقد دربت نفسي علي التحمل خاصة ان هناك مبلغا من المال توفر يمكن ان يكمل الحجرة التي ستحتضن امي واخواتي ولحين عودة شقيقي من حرب ضروس يقتل فيها الانسان اخاه الانسان. توقفت عن هذا العمل بعد فترة فقد اثرت حركة اليد السريعة لادخال الاعلانات وسط المجلات او الصحف فى الم فادح علي كتفي اليمين مازلت اعاني منه حتي كتابة هذه السطور.
فى بحثي المستمر عن عمل عرفت ان اتحاد الطلاب يتيح للبعض العمل فى توزيع الاعلانات امام بوابة الجامعة. قابلت احدي ممثلات الاتحاد ووعدتني ان توفر لي عدد من الاعلانات لاقوم بتوزيعها. كان الزمن شتاء قاسي ولم اتعود بعد علي لبس الجوارب التي تقي من زمهرير البرد. اول يوم فاجأتني عاصفة جليدية ولكن العمل عمل. كنت سعيدة بالحذاء الجديد الذي وجدته قرب مذبلة السكن ومن حسن الحظ يناسب مقاسي ال 39. فرحت لان سعر الاحذية الشتوية غالية الثمن لامثالي وعلي ان احسب كل شىء بدقة تشبه دقة مواعيد القطار النمساوي. فى غاية الاندهاش تساءلت عن سبب رمي حذاء يبدو جديدا؟ الرد كان جليا حين عصف الجليد علي الارض وعلي وجهي اثناء ادائي لعملي الجديد، بدأت اتململ اذ ان قدمي اليسار تصطك من البرد عكس القدم اليمين، احسست بها تتجمد ولم اعرف السبب الا حين تحركت نحو مدخل الجامعة حين اشتد عصف الجليد وبدأ الخرم فى الحذاء يخر ماء باردا لدرجة لايمكن التعبير عنها. ابتسمت بل كدت انفجر بالضحك من الصوت الذي احدثته الماء مع حركة القدم. لا جليد يبقي علي الارض لان الخدمات سريعة، تأتي (كراكات الجليد) والعاملين من بلاد الجوار، من طريقة نطقهم للالمانية عرفت انهم بعض من هويتي، هويتي كمهاجرة. بعضهم لا لكنة فى نطقهم ومع ذلك اقتسمنا سويا لفحة الشتاء. سالت مرة احدهم ما اذا بالامكان ان اعمل فى تنظيف الشارع من الجليد، حيث ان رأيت مرة امرأة تعمل فى هذا الفعل المنهك. لم يكن ممكنا لاني لا املك اوراق عمل وبالتالي غير مسموح لي بالعمل فى جعل الشوارع لامعة منعكسا عليها الجليد الذي علي الاطراف.
لا تضيع مني اي فرصة عمل ان وجد، كل تعب يتلاشي كلما شرقت شمس الحلم، حلم ان يكون حال اسرتي افضل.
فى مرة تركت العمل عند اسرة نمساوية بعد ثلاثة ايام فقط وذلك لسبب واحد هو اني علي ان اتجول مع كلبهم الضخم وحتي يتخلص من فضلاته. قلت لها اني اخاف من الكلاب ولا استطيع القيام بهذا العمل وماكنت سوف اتصل لاعمل عندهم لو كان فى الاعلان اشارة الي ذلك. كانت علي حق ان فى الاعلان اشارة كُتبت كملاحظة. الحق يقال كان كلبا مهذبا ولا ينبح الا فى حالة رأي كلبا آخر. غير انها ذكرت لي كل صفاته الجميلة من هدوئه ولطفه ووفائه.
مطعم الساقية لصاحبة السوداني ابراهيم حاكم وفر (لنا) فرصة العمل فى النظافة، وكنت اقوم به مرتين الي ثلاثة مرات فى الاسبوع حتي وانا حبلي بابني. وفي مطعم آخر كان يستفزني احدهم بان علي ان اعيد النظافة وانه يجد لي العزر لان طبيعة بلادنا تختلف ولكن هنا كل شىء يجب ان يكون لامعا من النظافة. كثيرا ماتحرمني العبرات من التعبير عن غضبي ورفضي ومع ذلك كنت اعبر بكل الوسائل وتصل الرسالة.
فى كل هذه التجارب التي قوتني هناك تجربة مميزة، رسمت فى وجداني صورة زاهية حيث عملت مع اسرة نمساوية فى الحي الاول، وفر لي هذه الفرصة الروائي السوداني طارق الطيب حين زارني مرة مع زوجته الانسانة الجميلة اورسولا الطيب فى هولابرون. قلت له عن بعض من همومي واني ابحث عن عمل ووعدني بان يساعدني وسوف يتصل حالما يجد عملا لي. ولم تطل مدة انتظاري اذ قدمني لاسرة في منتهي الانسانية علي ان اساعدها فى ترتيب البيت. لم يكن البيت الانيق الراقي يحتاج الي ترتيب بل كانت تناديني كلما بدأت شىء لاجلس واشرب عصيرا او شاي فواكه، كان نوعا مختلفا من انواع التضامن الانساني.
تجارب ايا كانت قسوتها الا انها دربتني علي تحمل الصعاب ومن قبل فعلت تجربة السودان وكلما اصاب روحي العطب من شدة الالم والوجع ونظرة حسرة علي شهاداتي الجامعية الا ان تجربة السودان وبذات الشهادات كنت ابيع ساندوتشات لبعض زميلاتي وزملائي ابان الدراسات العليا فى الاعلام وقبل مغادرتي السودان، تجربة رغم احساس الاسي باني ادفع مثل غيري من الناشطات والناشطيين السياسين ثمن نشاطي السياسي.
أنا بنت المعاناة والاجتراحات العميقة، بنت الفجر والنساء المكافحات، أمهاتي بائعات الكسرة فى السوق الصغير فى كوستى التي صنعتني من طين وحزن وارادة، و جعلتني احلم واعمل لاجل حلمي باني سأقف يوما أمام هولاء الطالبات والطلبة النمساويين كمحاضرة أدرسهم من تجاربنا، من تاريخ شموسنا وعصارة أناشيدنا.....وها قد كان.!

Comments
Post a Comment