إعادة صياغة الواقع اليومي بالفن الروائي في رواية ضياء الدين عثمان
( الدخان )
عز الدين ميرغني
خطوط :
1- تمتاز الرواية ببساطة لغتها وواقعية توجهها
2- الرواية لم تقع في غواية الواقعية الفوتوغرافية والتسجيلية
3- الراوي العليم جعلها رواية متعددة الأصوات
قامت رواية ( الدخان ) , والتي حازت على شهادة تقديرية , من مسابقة حورص , في جمهورية مصر العربية . على تقنية الاستباق , بحيث تكون النهاية هي البداية . ومعرفة النهاية لم تخصم من تحفيز المتلقي بالمتابعة للنص حتى النهاية . فمنذ البداية نعرف بأن شخصية البطل ( خليل ) , هي شخصية متهمة في جريمة قتل . وهي تبدأ كالآتي : ( ارتسمت ظلال القضبان على قفاه , كان جالساً متكوراً في إحدى زوايا الزنزانة , وكان الحارس ينظر إليه بين الفينة والأخرى , كأنه يتأكد من وجوده , استدعاه المحقق من جديد , حيث مثّل أمامه , قال له المحقق ...) .
إن المتهم في هذه القضية , هو ( خليل ) , والذي اتهم بقتل ( سليمان ) ابن الخليفة والذي يمثل السلطة الدينية والدنيوية في الفضاء المكاني الذي تجري فيه أحداث الرواية . وهو الذي تزوج حبيبة ( خليل ) , وابنة خاله ( فوزية ) , وأساء إليها لدرجة تفكيرها في الانتحار أكثر من مرّة . وشخصية ( خليل ) , تعتبر الشخصية القطبية في دائرة السرد والحدث في رواية ( الدخان ) , وبقية الشخصيات كانت شخصيات ثانوية , تتحرك وفق ذاكرة البطل ( خليل ) , تلك الذاكرة التي أفلح الكاتب ضياء الدين عثمان في أن يجعلها ذاكرة بانورامية كاشفة ومحللة , للحياة الاجتماعية في القرية . وقد أفلح الكاتب في أن يسلم مهمة هذا السرد البانورامي للراوي العليم , والذي دخل الأمكنة والنفوس , وكشف الممنوع . وتحدث بلغة الكاتب الخاصة . ولغة اليومي العامة , ومن هنا تعددت الأصوات اللغوية في داخل الرواية , رغم انفراد شخصية واحدة بالبطولة . ومن هنا استحقت الرواية الفوز . لاغترافها الجيد من تقنيات الرواية الحديثة , والتي منها , بساطة اللغة , وواقعية توجهها , وهي رواية يمكن أن نجد مكوناتها السردية موجودة في الواقع الاجتماعي الذي نعيش فيه , دون أن تقع في مطب , الفوتوغرافية التسجيلية , والتي وقعت في فخها الرواية الشبابية الجديدة . وما يحفز القارئ الذكي في هذه الرواية أنها تجمع شتاتها من الواقع , ومن الراهن الحاضر , الذي حاولت إعادة صياغته بتقنية الفن الروائي الحديث . ومن ما ضمن لهذه الرواية الفوز في هذه الجائزة المعتبرة , أنها لم ترتهن للواقع لنقل قضاياه المستهلكة في السرد الروائي العربي والسوداني , والذي قد يسرق أحياناً يومياته , ويختلس فضاءاته , ويتحدث بوعظية مملة عن أخطائه , وتقتصر على البعد الظاهر لحركته وعيشه اليومي , ولكنها كرواية واقعية قد ذهبت إلي أبعد من ذلك كله , فقد جعلت من شخصية بطلها شخصية رمزية مفتوحة التأويل والتحليل للقارئ المفتوح أفق التوقع عنده . بل قد تكون القرية بفضائها المكاني , قد ترمز إلي وطن بأكمله .
لقد استخدم الكاتب ببراعة تقنية سردية , تعتبر بكل المقاييس النقدية بأنها تقنية حديثة ومتطورة ومواكبة لزمن السرعة وثقافة الصورة , بحيث تحس من اللغة الساردة بأنك تجالس الشخصية تتحدث إليك , وتستمع إليها بصوتها الحقيقي , وليس بصوت وكيلها المتمثل في الراوي ( العليم ) , وقد كان الخطاب الروائي أقرب للحكي داخل الحكي , بلغة حوارية ملحومة بعناية مع الحدث وصياغته اللغوية والتي كانت باللغة الفصحى غير المعقدة . وقد ابتعدت الرواية عن استخدام العامية حتى في لغة الحوار بين الشخصيات , المتوافقة , والمتضادة .
لا شك بأن الكاتب ضياء الدين عثمان , قد تأثر في كتابته للرواية بلغة القصة القصيرة , والتي يكتبها أيضاً . فلغته مكثفة , وجمله لا تميل إلي الإسهاب , ولا توجد فضفضة سردية محشوة داخل نصه الروائي . بل قد استطاع أن يخلق لنفسه بصمة أسلوبية خاصة به , وله مقدرة جيدة في استخدام الضمائر والجملة الفعلية المتحركة , من ما جعل الرواية ترصد تموجات وتغيرات الأحداث وخاصة الداخلية منها في حياة بطلها ( خليل ) بلغة المونولوج , والذي يمكن أن يجعلها لغة تيارية منسابة بعفوية ظاهرة ( لغة تيار الوعي ) , stream of consciousness , هذه اللغة هي التي جعلت شخصية البطل , شخصية بطل منهزم , لأنه لم يقف مع حبيبته حتى النهاية , وانهزاميته في فعله الأخير , والذي جاء سلبياً ومتأخراً ( قتل سليمان بعد فوات الأوان ) . لقد سيطر الكاتب جيداً علي تماسك اللغة بقدر ما سيطر على تماسك المعنى وتواتر الأحداث . يقول في أحد مقاطع الرواية : ( سافر هو , بقيت هي , أكمل المشوار هو , لزمت هي البيت , تخرج هو , انتظرته هي , عاد هو , بكت هي من الفرحة , ودّت لو تحتضنه , وتبثه شكوى الانتظار , لكنهما التقيا , وظلت المسافة في المقعد بينهما كما هي , لم تزد , ولم تنقص , سنتيمتراً واحداً . ) . فالتكرارية هنا للضمائر أضافت للغة السردية شعرية عالية . وكشفت دواخل الشخصية التي تتذكر تاريخها الماضي , ولقد حاول الكاتب ضياء الدين , أن يبتعد بروايته من رواية السيرة الغيرية التي يسردها ويرويها الراوي ( العليم ) وإنما جعلها لغة إعترافية , للذاكرة فيها البطولة الكبيرة لتبرر فعل القتل المتهم ( خليل ) . هذه الذاكرة هي محاولة لتكون لغة دفاعية , وكما قال الكاتب في إحدى مقولاته التي تسبق بداية كل فصل : ( أحياناً يا ابني نحتاج إلي شيء غير العقل ) .
في رواية ( الدخان ) , كان الوصف المكاني مميزاً بلغته الوصفية الدقيقة وتفاصيله الدقيقة , والتي تجعلك تدخله مع الشخصيات الموجودة فيه والمتحركة بداخله , وجعل فصوله تتداخل ملتحمة مع الأحداث , دون أن تحس بانفصالها عن بعضها البعض . وكان أيضا للغة الرواية نصيباً في اللحم السردى الموفق , ورغم الأخطاء المطبعية والتي أضرت بالرواية كثيراً , ولكن التقاطع بين اللغة في الرواية ومفعولها المادي , هو منبع الجمال فيها , بحيث خلق الروائي ضياء الدين عثمان من لغة الخطاب الروائي عنده , لغة أفعال حية ومتحركة , ومنفعلة بالحدث الذي تتحدث عنه وتحكيه , وهي لغة ابتعدت عن الغرائبية والغموض , والإطناب الزائد , وهذا ما جعلها تتمتع بواقعية غير مدرسية , لدرجة الشعور بأن ما جرى ليس أمامك فقط , بل تشارك فيه , وتعيش في خضمه . بها تلج إلي دواخل البطل , تحس بمأساته , وانهزامه , وندمه , بل قد تحكم عليه بالبراءة في الجريمة التي اتهم فيها لو كنت القاضي الذي ينظر فيها .
Comments
Post a Comment