Skip to main content

الصويم: السودان وأشباح ما بعد الاستقلال

الصويم: السودان وأشباح ما بعد الاستقلال

2014-03-30 | الخرطوم - محفوظ بشرى -العربي الجديدالصويم: السودان وأشباح ما بعد الاستقلال
عبر مئتين وثلاثين صفحة، يتتبَّع الروائي السوداني منصور الصُّويِّم، في روايته الجديدة "أشباح فرنساوي" (دار العين، القاهرة 2014) سيرة التشادي القتيل "عوض فرنساوي"، التي هي سيرة الإنسان في تجلياته الغريبة والوحشيَّة، كما أنها سيرة للفساد، والفقر، والقهر، وفشل النُّخَب، وسوء استخدام السلطة، وتفكُّك الدولة.

يسلِّط الكاتب الضوء على مصائر قاحلة لأبطالٍ ملحميين يتحركون في فضاءات زمنية ومكانية متعددة، تمتد من "نيالا" ثانية أكبر مدن إقليم دارفور المضطرب في هامش الذاكرة وهامش الجغرافيا القديمة للسودان في ثمانينيات القرن المنصرم؛ وحتى أرصفة قلب العاصمة الخرطوم الرابضة في وحل نفاق التسعينيات وبداية عقد الألفية الأول، والمغطاة بأقنعة كثيفة برّاقة تخفي مآزق النخبة السائرة نحو ذروتها الكارثيَّة المنتظرة، مروراً بالضواحي القصيَّة للعاصمة، ذات الحضور الإنساني الساطع رغم الفقر الطاحن المعتاد فيها.

تمثِّل الرواية حلقة أخرى في سلسلة الروائي منصور الصُّويِّم، التي بدأها بأولى رواياته "تخوم الرماد" 2001، ثم تابعها في "ذاكرة شرير" الفائزة بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي عام 2005 ، وأخيراً "أشباح فرنساوي" 2014، علماً أن روايته "آخر السلاطين" ستصدر خلال أشهر.

في "أشباح فرنساوي"، يصحب "محمد لطيف" -المصحِّح اللغوي والروائي والمثقف- القارئ في رحلة سردٍ مركَّبة من عدة أصوات، يجمع بها الصويِّم قطع المأساة المتناثرة في سياقات حيوات شخوصه بتعقيداتها وتشابكاتها مع البنى الأسطورية متعددة المستويات، والمشتبكة بأحداث غنيَّة بالتفاصيل، سواء أكانت تحملها ذاكرة "الرقيب بشير" وينقّب عنها "محمد لطيف" مشكِّلاً إياها كما يريدها لا كما سمعها؛ أو تلك التي تأتينا بصوت الراوي العليم، الذي نكتشف في نهاية الرواية تداخله وتماهيه مع صوت "ميناس" حبيبة "محمد لطيف" ووارثة مشروعه الروائي غير المكتمل.

وكعادة الصويّم، يحتشد السرد في "أشباح فرنساوي" بالحكايات التي تستند إلى مفارقات صارخة، وعبثيّة ساطعة، صانعةً سياقاً يقود مسارات الأحداث كلها إلى نهايات حلقيَّة أشبه بدوَّامات صغيرة تجذب الشخوص ببساطة إلى حتميات تفاجئنا ببداهتها الكئيبة.

فبمتابعة العلاقة المعقدة التي نشأت بين "الرقيب بشير" و"عوض فرنساوي" كما يتخيلها "محمد لطيف" أو كما حدثت بالفعل في احتمالاتها الأخرى، وبالنظر إلى جدل هذه العلاقة مع علاقات أخرى تصنع الفضاء الافتراضي لقسم شرطة حي "تكساس جنوب" في مدينة "نيالا"؛ علاقات مثل تلك التي ربطت سيادة العقيد "مدثر الجاك" بـ"عوض فرنساوي" أو ربطت هذا الأخير بالملازم "ياسر" وبقية أفراد قسم شرطة "تكساس جنوب"؛ من خلال متابعة كل هذه العلاقات، تمنحنا الرواية سياحة ممتعة في العالم السِّري لمجتمع "نيالا" وغيرها من المدن السودانية في ثمانينيات القرن الماضي، سياحة تعرّي بقوّة الجذور التي أدت في ما بعد إلى الحريق الذي يشهده السودان الآن، حين يضعك السرد أمام حالة اللادولة في أطراف البلاد، التي ظلت تتآكلها منذ ذاك الوقت ببطء زحفاً على حواف الخريطة، متغذيّة ببنى اجتماعية هشَّة وفاسدة، تستمد هشاشتها وفسادها من فساد مؤسسات ونخبة ما بعد الاستقلال وأمراضها المتأصِّلة.

خلال الفصول السبعة عشر للرواية، يروي الصويم قصّة الفشل وموت الأحلام وتحكّم اللاجدوى في مفاصل الحياة؛ يحكي عن الأسطورة، والموت، والجنس، وغربة الإنسان السوداني عن ذاته، واختفاء الحدود الفاصلة بين ما يحدث حقَّاً وما يُحدثه الخيال. يجعلنا ننظر إلى مأساوية التفاصيل ومفارقاتها، بل وطرافتها القاتمة أحياناً، لشخصيات مثل "نادية ريتشي"؛ القوّادة التي قادها حبّها للحياة إلى الموت، و"عفاف" التي تمثل سؤال الوجود بالنسبة إلى الرقيب "بشير"، والشاعرين المنغمسين في اللاشيء، والإشراقتين المتناقضتين المتفقتين، و"جنّون" ضحية العدم وسطحية المفاهيم.. وعشرات الشخصيات الأخرى في بؤس وجودها على هامش المدينة أو على هامش البلاد.

حسناً، هي رواية تتسرّب من شقوق أزمان عدّة، لتضيء بالسرد خلفيات لمآلٍ نعيشه اليوم، لذا يمكننا النظر إليها بوصفها قطعة تأخذ مكانها في أحجية غسق الإنسان السوداني، ومحاق فاعليته وسط كل هذا التفكُّك.

Comments

Popular posts from this blog

Mona Farouk reveals scenes of "scandalous video"Egyptian actress Mona Farouk appeared on

Mona Farouk reveals scenes of "scandalous video"Egyptian actress Mona Farouk appeared on Monday in a video clip to discuss the details of the case she is currently facing. She recorded the first video and audio statements about the scandalous video that she brings together with Khaled Youssef.Farouk detonated several surprises, on the sidelines of her summons to the Egyptian prosecution, that Khalid Youssef was a friend of her father years ago, when she was a young age, and then collected a love relationship with him when she grew up, and married him in secret with the knowledge of her parents and her father and brother because his social status was not allowed to declare marriage .Muna Farouk revealed that the video was filmed in a drunken state. She and her colleague Shima al-Hajj said that on the same day the video was filmed, she was at odds with Shima, and Khaled Yusuf repaired them and then drank alcohol.She confirmed that Youssef was the one who filmed the clips whil

الحلقة 20 هنادي المطلقة والمحلل (ماذا قال كتاب العرب في هنادي)-----------Khalid Babiker

• الجنس شعور فوضوي يتحكم في الذات والعقل . وله قوة ذاتية لا تتصالح إلا مع نفسها . هكذا قال أنصار المحلل الحلقة 20 هنادي المطلقة والمحلل (ماذا قال كتاب العرب في هنادي) أول طريق عبره الإنسان هو طريق الذكر . بعدها شهق وصرخ . تمرغ في الزيت المقدس . وجرب نشوة الأرغوس . عاجلا أم آجلا سيبحث عن هذا الطريق ( كالأسماك تعود إلى أرض ميلادها لتبيض وتموت ) . وسيعبره . سيعبره بحثا عن الديمومة . وسيشهق وسيضحك . لقد جاء إليه غريبا . سيظل بين جدرانه الدافئة غريبا . وحالما يدفع تلك الكائنات الحية الصغيرة المضطربة في الهاوية الملعونة سيخرج فقيرا مدحورا يشعر بخيانة ما ( ..... ) . لن ينسى الإنسان أبدا طريق الذكر الذي عبره في البدء . سيتذكره ليس بالذاكرة وإنما بالذكر . سيعود إليه بعد البلوغ أكثر شوقا وتولعا . ولن يدخل فيه بجميع بدنه كما فعل في تلك السنوات التي مضت وإنما سيدخل برأسه . بعد ذلك سيندفع غير مبال بالخطر والفضيحة والقانون والدين . الله هناك خلف الأشياء الصغيرة . خلف كل شهقة . كل صرخة مندفعا في الظلام كالثور في قاعة المسلخ . الله لا يوجد في الأشياء الكبيرة . في الشرانق . في المح . ينشق فمه . تن

Trusting Liar (#5) Leave a reply

Trusting Liar (#5) Leave a reply Gertruida is the first to recover.  “Klasie… ?” “Ag drop the pretence, Gertruida. You all call me ‘Liar’ behind my back, so why stop now? Might as well be on the same page, yes?” Liar’s face is flushed with anger; the muscles in his thin neck prominently bulging. “That diamond belongs to me. Hand it over.” “What are you doing? Put away the gun…” “No! This…,” Liar sweeps his one hand towards the horizon, “…is my place.  Mine!   I earned it! And you…you have no right to be here!” “Listen, Liar, we’re not the enemy. Whoever is looking for you with the aeroplane and the chopper….well, it isn’t us. In fact, we were worried about you and that’s why we followed you. We’re here to help, man!” Vetfaan’s voice is pleading as he takes a step closer to the distraught man. “Now, put down the gun and let’s chat about all this.” Liar hesitates, taken aback after clearly being convinced that the group  had hostile intentions. “I…I’m not sure I believe