تأليف : نصرالدين متوكل نصرالدين
قصة قصيرة
تَنَبُّؤات ولَكِن !
كنتُ دون سن العاشرة، توفى والدي وشقيقتي تمص أصابعها، تغوص في أحضان أمي وتبكي، أخي الأصغر في السادسة، كلنا نتكوم في حجرة من الطين في البيت الكبير، شقوقها يسكنها الوَزَغ، جدرانها مائلةٌ قليلا ًوتشرب معنا مياه الأمطار، بابها متصدع تسمع له صرير وسقفها المنحدر صامد بدعوات جدي وتسبيحه. أخي الأصغر تنتابه كوابيس ليلية، صرخات مفزعة، أحاديث كأنها أساطير الأولين، بدأت معه في سنة الهَدَّام كما يقول جدي لأمي، ونحن نسكن بالقرب من البحر، فاض البحر، تدفق واِنْحَسر، فأتى بتمساح صغير له أذن كلب في كتفه الأيسر، عيناه جاحظتان بارزتان تكاد أن تمسكهما بيديك، سَموم لاهب يخرج منهما، ذيله جامد، قَدَماه الخلفيتان في نهاياتهما خُفَّا بعير صغير وخاليتان من المخالب، أصدر صيحةً لفحت الفضاء بالرعب، خافت منه القرية وتمنت أن تنشق الأرض وتبتلعه، ما كنت أخشاه وأخاف منه حدث، أخي الأصغر بمشيته العرجاء البطيئة توقف، جرى التمساح نحوه، نفض غبار الطين العالق به فاِسْتَنْشَقنا رائحة جيفة متحركة، اِرْتكزَ على رجليه، حرك رأسه يمنة ً ويسرة، فدارت الدنيا في رؤوسنا، نظر أخي إليه ببلاهه وبراءة، دَنا منه وتحسسه بيده، همد التمساح، وأخرج لسانه يلعق يد أخي، القرية وقفت صامتة وتكهربت، قلوبها بلغت الحناجر، العيون وَجِلَة من المشهد وضاعت في الأفق، الصيادون المهرة تواروا خلف شماتة شمس الظهيرة الحارقة، وجَدي يرفع كفيه في تضرع وينظر إلى السماء.
دارت أحاديث هامسة بلغة لانفهمها بين أخي والتمساح الكلب كما أطلق عليه جدي، دلف التمساح إلى البحر، تبسَم بأَنْيابه المتلاصقة، وظهرت صورته على سطح المياه وهو يسخر منا. عاد الصغير جارياً نحو أمي الواقفة على قلبها واِنْهارت قواها، فسقطت طريحة الأرض تنادي: ولدي ولدي، أخي الصغير بشقاوته المعروفه، أصبح ينطط على جسد أمي حتى أفاقت فحضنته في شوقٍ غمرنا رذاذه، وصاحت القرية: الله اكبر الله أكبر، أخذت أمي الصغير وجرت به نحو الداخل، وهو يتفوه بكلمات غريبة، تبول على ملابسه ونام يومين متتالين حتى ظننا أن الموت لبِسه.
طبيب القرية بسماعته الكَتُوم، تفقد جسد أخي وقلبه ثم ضغط على صدره فأصدر أنات مسموعة، تمرغ على الفراش، هَبَّ منتصبا ًوقال للطبيب: حنان سافرت، رد عليه الطبيب:(حنان منو)، تدخلت أمي وقالت للطبيب: الولد يتكلم بدون فهم من الحمى، خرج الطبيب مسرعا ً إلى منزله، فوجد خطيبته حنان فارقت الدنيا، وهي أتت فى زيارة له مع والدتها، اِمْتلأ منزل دكتور عوض بالمعزين، تحركنا مع القوم لتشييع الجنازة الى بيت الآخرة، واِنْتشَرتْ تنبؤات الصغير منذ تلك الفترة. الكل يتحاشاه، وجارتنا سعدية عندما تشاهده َتصُم آذانها حتى لاتسمعه، وتتمتم فى سرها: بسم الله بسم الله ، المولى يغطينا ويحفظنا ، الله أكبر عليك يا ود سكينة، لأنه أخبرها في الصيف الماضي بأن منزلها يحترق وهي تسكن الأن في منزل جارتها.
الساعة تشير إلى الثالثة صباحا ً، النجوم تتالأْلأ تسد كبد الفضاء، الليل يرخي أستاره ونسمة بحرية طائشه تلاعب أنفاسنا فبعثت إلينا برائحة المقابر، هَبَّ الصغير من نومه مرعوبا ً، وتحس بأن حيواناً آخر يتقمصه، صوته مخنوق، غامض وغائر، وأخي يصرخ ويبكي، أمي تهدهده، تحمله وتُطبطب عليه، أخبرها بأن التمساح جائع ويريد اللبن ، همد أخي في حضن أمي والتَّمِيمة تَزيُّن صدره لكنه ما زال يُوسوس، ثم أشار بأصبعه السادس إلى السماء، فقال: شاهدوا النجوم، وأمي تصيح: أَسْكت أَسْكت، وهو يواصل: النجوم التي على الشمال غاضبة منا، أتت النجوم (بالعنقريب) يا أمي تحمل جدي، ووالدتي تصيح: أَسْكت أَسْكت، يتمتم أخي ويقول: العنقريب طائر، أبي يلاحقه، خالتي وأمي بعيدتين، صاحت أمي: بسرعة أحضِر (بَخْرَات) الفكي يوسف (والمحايه)، والصغير يُهمهم: النجوم الأربعة التي تحمل (العنقريب) سقطت يا أمي سقطت، الحفرة عميقة، صاحت أمي: أَسْتَغْفِرُ الله، أَسْتَغْفِرُ الله، الموت حق، الموت حق، وهي ترفع يديها، وبدون مقدمات نظرتُ فوجدت خالتي تولول وتصرخ: البقية فى حياتنا، البقية فى حياتنا ياسكينة، سكتت أمي ، جحظت عيناها ، اِمْتصَّتْ ريقهَا الجاف وقالت: جدكم مات وأنا عارفه يا مصيبتي.
خرج الصغير من حِجر أمي، ضحك ضحكة ًماكرة وخالتي تنظر إليه بذعرٍ وخوف، حَدَّقَ فيها بنظرات أَخافتنا جميعاً، تمسك بأطراف ثوبها وأَصَرَّ أن لايتركه وصاح: النجوم الأربعة خرجت من الحفرة، تُسلم على خالتي، صاحت أمي: لاتكمل أَسْكت، فنزعت خالتي ثوبها بقوة، وخرجت تهرول غير مهتمة بصرخات المعزين، والصغير يطاردها بجريته العرجاء، وعند طرف الجدار طار الصغير إلى أعلى، عواء خافت يلفه، وظلمة داكنة تخنق المكان، سقط يرفس، اِبْتَلعتُ خوفي وثبته على الأرض، مسك عنقي وشعرتُ بخربشة مخالب صغيرة وحاولت الفرار، جذبني إليه، دوار البحر تملكني، مازال العواء يسد الفضاء وكل شيء حولي تجمد، هوت الأرض تحتي، الصراخ والعويل يهزان المكان، التمساح تراءى أمامي يخرج من البحر، اِسْتنشَقتُ رائحة جيفة متحركة، اِقْتَرَب نحوي ببطء، رأيت أخي في وجه التمساح، شبحٌ جامد يعوي بصوتٍ مرتعش: فراغ هائل يحيط بالمدينة، خالتي (الرضية) تهرول وصدى كلماتها الخلاص ... الخلاص، (حلوم) بائعة الكَسْرة تقتلع بذرة البِشارة، جارنا (سعد الحداد) صوته دفقة من الأمل يردد ( تسقط .. تسقط )، وناموس البحر يجرف الصوت، لم أتبين إلا صراخه الأخير (الغُوُل). صَوَّبَ أخي نحوي نظرات شرسة، دنا مني بفكه المخيف وهمس في أذني بلغةٍ أعرفها، ولحظتها فارق أخي الحياة .
Comments
Post a Comment