لماذا لا يعلق صوراً لخديجة؟
الصويم كما هو في (تخوم الرماد)
يوسف أبو لجينة
استدعى جميع خيالاتك وانظر بها إلى صاحب (تخوم الرماد). حملق، وتساءل: من يكون هذا الشخص؟ حتماً لن تعرفه، هو غامض كمفعول الدواء. استعن عليه بالمزيد من الخيالات، أو اقرأ له (ذاكرة شرير)؛ لا تنسى، ليس هو (آدم الكسحي) ولا هو من قال: (صدقني أنا نفسي مندهش حين أذكر ذلك التاريخ؛ ذلك الإقدام وتلك الجرأة المميتة، لم أكن شجاعاً ولا كنت فارساً)، ولا هو من قال: (هذا الخلاء ثروة، مجد؛ ثروتنا ومجدنا....)، ولا هو من قال: (... كله وهم؛ الموت، كنا نصنعه، والسلم كنا نأتي به، وعلى الحكومة أن تدفع لنا مقابل الموت؛ مقابل السلم؛ أن تدفع لنا مقابل الوهم كي نبقى نحن)، وقطعاً ليس هو (سليم أمبدي). لا تُعدد الشخصيات والأوصاف لمعرفته، يكفيك هذا. سيتكاثر هو أمامك، متشابهٌ كحب السمسم، أو يأتيك مثل الصدى، شيءٌ خارجٌ منك وعائدٌ إليك.. إنه منصور الصويم هكذا دومًا: كلما استملته لتتعرف عليه، أظهر عدم انسجام وزفر جملته الأثيرة: سأمكث يوم أو اثنين بالعاصمة، انتظر طائرة تأخذني شرقاً أو غرباً خارج البلاد؛ علني أشفى. لكنه (كذااااااااااااب) يحب السفر كفكرة، ولا يحتمله في واقع الأمر. كتب على صفحته في الفيس بوك: "لكل إنسان سبيلهُ للخلاصِ من الجحيم السُفلي وسبيلي أنا هي الكِتابة".
(1)
منذ أن بدأت علاقة منصور بالرواية وكتابتها هو في شك وقلق دائمين، شك لا حقيقة فيه مطلقاً، قال مرة حين نقلوه إلي دار العشوش: (اعتبر كل ذلك مؤامرة دنيئة دبرت ضدي) ثم حمّل القول إلي عسكري (غلبان) خلقه منصور لهذا الغرض في (تخوم الرماد). هو يعرف أن عالم الرواية والكتابة يستدعيان قدرا معقولاً من الاطمئنان والسكينة، أو على الأقل الثقة بالنفس والأشياء. لكن منصور لا يهدأ في مكان ولا يستوعبه شكل واحدٌ للحياة، ينقسم في يومه إلى نصفين متساويين، هو تارة أديبٌ مجنونٌ كفيف، يبحث عن قطة سوداء في غرفة مظلمة، ويتخيل أن لها مواء يستغيث. وتارة صاحب عقل حاضر يشتغل على حراسة اللغة من اللحن ومن عبث الصحافيين (أنصاف الأشياء) وطيشهم. وهو أحياناً جرئ كحد السكين. قال مرة وفي براءة للسجين (لماذا لا تعلق صوراً لخديجة؟). هو من نوع الأسئلة المربكة في مجتمع هو نفسه سجين لما بين الفخذين. ليس النفس الطالع والنازل هو ما يجعل أولئك السجناء أحياء يا (أيها الضابط العظيم) عيون خديجة وردفها وجيدها المنضوض.. تمرد ثدييها في عامهما الأخير من القطف، هؤلاء السجناء يعيشون على (البورنوغرافية) يا أيها الضابط البدوي. يحييهم شبق الأنثى وتحرقهم لها؛ ويتمنون من قلوبهم لو يحزون رؤوسهم لتحتضنها (خدج) على صدورهن... يخونون قيمهم السماوية حين يضمن الواحد منهم أنه في مأمن من العيون... ألم يقل ذلك السجين إنه كان بإمكانه أن يعاشر خديجة دون أية مجازفات؟ لكنه رغب في امتلاكها بدلاً عن (تورين). هن خدج كثيرات في حياة ذلك السجين، ليست واحدة ولا اثنتان!! هذا السجين يا منصور يشهق أنثى ويزفر أخرى، وله رئة كأنها حمام نسائي عام.
(2)
ولأنه تارة أديب وحارس لغة، يتوغل منصور بالكتابة في قيمة المعنى ودلالته، بلغة ذات وظيفة "سيميائية" تنتقل من الذات التي لا تعرف إلى الذات المدركة لأفعالها، ويقوم في لغته (بتبطين) خطاطات الفعل بوظيفة رمزية هي (التشبيه واللعب الرمزي) وصولاً إلى المضمون المقصود عينه. (كرنفال رائع أعدوه لاستقبال الضيف الكبير، خيول ترقص على أنغام الربابات ونساء جميلات يرقصن ويغنين، عشرات الذبائح وأطنان من اللبن، أعدوا كل شيء بشكل جيد، رتبوه بنظام، جعلوا الرجل الكبير ينط، من فوق ثور بحجم العربة.... وتبارى الهدايون في تمجيد سليم أمبدي، ثم تحرك الضيف الكبير وبدأ يخطب) منصور؛ لا يمُجُ شيئا مثل مجِه للعلاقات غير الشرعية التي تنشأ بين السياسي والناس، وبين السياسي والأرض، وبين السياسي ونفسه. ويعتقد بتعصب إنه ما خلى السياسي بشيء إلا وكان الشيطان ثالثهما. يتذكر منصور بحسرة تعليمات الرجل المهيب للجنود في "أم عضام" - واحدة من كواليس مسرح تخوم الرماد - (بعد نصف ساعة من الآن ستصلكم المدرعات الصغيرة، بعد ساعة من الآن لا أريد ولو دجاجة حائمة بتراب أم عضام). كم هي مفزعة هذه التعليمات. منصور يعبُرُ بضجرٍ وصخبٍ غرف الموهومين براحة البال، فيمنحهم ما يليق بهم من القلق، يمسكهم من تلابيبهم ويقودهم إلى هناك... هناك، ويمضي بهم في الظلام، يتدحرج معهم في أحشاء المدن، ويغوص في أول خيرانها الرطبة المنهكة، الخور - السوق؛ مرتع الحرامية، سوقهم وأمانهم - قد يجده معهم ساكنا أوانئذٍ؛ مظلم وميت؛ (...) يُعرّفُ -الموهومين براحة البال - على الرجال النحاف ممزقي القمصان، أساس جميع الأسواق، السرقة والسراقين الجدد، وكيف أنهم نصبوا لمهنتهم كميناً في كل خور، وخوراً في كل بيت؛ الجدران الشاهقة الشائهة، البنوك المريبة والشركات الوهم.
يوسف أبو لجينة - 23 أغسطس 2012م
الصويم كما هو في (تخوم الرماد)
يوسف أبو لجينة
استدعى جميع خيالاتك وانظر بها إلى صاحب (تخوم الرماد). حملق، وتساءل: من يكون هذا الشخص؟ حتماً لن تعرفه، هو غامض كمفعول الدواء. استعن عليه بالمزيد من الخيالات، أو اقرأ له (ذاكرة شرير)؛ لا تنسى، ليس هو (آدم الكسحي) ولا هو من قال: (صدقني أنا نفسي مندهش حين أذكر ذلك التاريخ؛ ذلك الإقدام وتلك الجرأة المميتة، لم أكن شجاعاً ولا كنت فارساً)، ولا هو من قال: (هذا الخلاء ثروة، مجد؛ ثروتنا ومجدنا....)، ولا هو من قال: (... كله وهم؛ الموت، كنا نصنعه، والسلم كنا نأتي به، وعلى الحكومة أن تدفع لنا مقابل الموت؛ مقابل السلم؛ أن تدفع لنا مقابل الوهم كي نبقى نحن)، وقطعاً ليس هو (سليم أمبدي). لا تُعدد الشخصيات والأوصاف لمعرفته، يكفيك هذا. سيتكاثر هو أمامك، متشابهٌ كحب السمسم، أو يأتيك مثل الصدى، شيءٌ خارجٌ منك وعائدٌ إليك.. إنه منصور الصويم هكذا دومًا: كلما استملته لتتعرف عليه، أظهر عدم انسجام وزفر جملته الأثيرة: سأمكث يوم أو اثنين بالعاصمة، انتظر طائرة تأخذني شرقاً أو غرباً خارج البلاد؛ علني أشفى. لكنه (كذااااااااااااب) يحب السفر كفكرة، ولا يحتمله في واقع الأمر. كتب على صفحته في الفيس بوك: "لكل إنسان سبيلهُ للخلاصِ من الجحيم السُفلي وسبيلي أنا هي الكِتابة".
(1)
منذ أن بدأت علاقة منصور بالرواية وكتابتها هو في شك وقلق دائمين، شك لا حقيقة فيه مطلقاً، قال مرة حين نقلوه إلي دار العشوش: (اعتبر كل ذلك مؤامرة دنيئة دبرت ضدي) ثم حمّل القول إلي عسكري (غلبان) خلقه منصور لهذا الغرض في (تخوم الرماد). هو يعرف أن عالم الرواية والكتابة يستدعيان قدرا معقولاً من الاطمئنان والسكينة، أو على الأقل الثقة بالنفس والأشياء. لكن منصور لا يهدأ في مكان ولا يستوعبه شكل واحدٌ للحياة، ينقسم في يومه إلى نصفين متساويين، هو تارة أديبٌ مجنونٌ كفيف، يبحث عن قطة سوداء في غرفة مظلمة، ويتخيل أن لها مواء يستغيث. وتارة صاحب عقل حاضر يشتغل على حراسة اللغة من اللحن ومن عبث الصحافيين (أنصاف الأشياء) وطيشهم. وهو أحياناً جرئ كحد السكين. قال مرة وفي براءة للسجين (لماذا لا تعلق صوراً لخديجة؟). هو من نوع الأسئلة المربكة في مجتمع هو نفسه سجين لما بين الفخذين. ليس النفس الطالع والنازل هو ما يجعل أولئك السجناء أحياء يا (أيها الضابط العظيم) عيون خديجة وردفها وجيدها المنضوض.. تمرد ثدييها في عامهما الأخير من القطف، هؤلاء السجناء يعيشون على (البورنوغرافية) يا أيها الضابط البدوي. يحييهم شبق الأنثى وتحرقهم لها؛ ويتمنون من قلوبهم لو يحزون رؤوسهم لتحتضنها (خدج) على صدورهن... يخونون قيمهم السماوية حين يضمن الواحد منهم أنه في مأمن من العيون... ألم يقل ذلك السجين إنه كان بإمكانه أن يعاشر خديجة دون أية مجازفات؟ لكنه رغب في امتلاكها بدلاً عن (تورين). هن خدج كثيرات في حياة ذلك السجين، ليست واحدة ولا اثنتان!! هذا السجين يا منصور يشهق أنثى ويزفر أخرى، وله رئة كأنها حمام نسائي عام.
(2)
ولأنه تارة أديب وحارس لغة، يتوغل منصور بالكتابة في قيمة المعنى ودلالته، بلغة ذات وظيفة "سيميائية" تنتقل من الذات التي لا تعرف إلى الذات المدركة لأفعالها، ويقوم في لغته (بتبطين) خطاطات الفعل بوظيفة رمزية هي (التشبيه واللعب الرمزي) وصولاً إلى المضمون المقصود عينه. (كرنفال رائع أعدوه لاستقبال الضيف الكبير، خيول ترقص على أنغام الربابات ونساء جميلات يرقصن ويغنين، عشرات الذبائح وأطنان من اللبن، أعدوا كل شيء بشكل جيد، رتبوه بنظام، جعلوا الرجل الكبير ينط، من فوق ثور بحجم العربة.... وتبارى الهدايون في تمجيد سليم أمبدي، ثم تحرك الضيف الكبير وبدأ يخطب) منصور؛ لا يمُجُ شيئا مثل مجِه للعلاقات غير الشرعية التي تنشأ بين السياسي والناس، وبين السياسي والأرض، وبين السياسي ونفسه. ويعتقد بتعصب إنه ما خلى السياسي بشيء إلا وكان الشيطان ثالثهما. يتذكر منصور بحسرة تعليمات الرجل المهيب للجنود في "أم عضام" - واحدة من كواليس مسرح تخوم الرماد - (بعد نصف ساعة من الآن ستصلكم المدرعات الصغيرة، بعد ساعة من الآن لا أريد ولو دجاجة حائمة بتراب أم عضام). كم هي مفزعة هذه التعليمات. منصور يعبُرُ بضجرٍ وصخبٍ غرف الموهومين براحة البال، فيمنحهم ما يليق بهم من القلق، يمسكهم من تلابيبهم ويقودهم إلى هناك... هناك، ويمضي بهم في الظلام، يتدحرج معهم في أحشاء المدن، ويغوص في أول خيرانها الرطبة المنهكة، الخور - السوق؛ مرتع الحرامية، سوقهم وأمانهم - قد يجده معهم ساكنا أوانئذٍ؛ مظلم وميت؛ (...) يُعرّفُ -الموهومين براحة البال - على الرجال النحاف ممزقي القمصان، أساس جميع الأسواق، السرقة والسراقين الجدد، وكيف أنهم نصبوا لمهنتهم كميناً في كل خور، وخوراً في كل بيت؛ الجدران الشاهقة الشائهة، البنوك المريبة والشركات الوهم.
يوسف أبو لجينة - 23 أغسطس 2012م

Comments
Post a Comment