التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحوار الأخير مع يوسف كوة مكي... احد ابناء السودان البرره-------

الحوار الأخير مع يوسف كوة احد ابناء السودان البرره
لان التاريخ لا يرحم ( صوت الحرية ) تقوم بتحديث حوار مهلم الثورة ومعلم الاجيال القائد : يوسف كوة في آخر حوار صحفي له ،،
Interview with Yousif Kuwa Mekki Londo February 12 and 13, 2001 by Nanne op 't Ende
SK-MC : حوار: نان أوب أتير - ترجمة: أبوبكر المجذوب
Interview with Yousif Kuwa Mekki
عبد العزيز الحلو لديه خبرة سياسية وعسكرية كبيرة، أعتقد أنّه قادر على فعل الكثير !!
الأب فيليب عباس غبوش قدم أشياء عظيمة وكبيرة من أجل النوبة وكنت أنظر إليه كأب روحي.
كان طموح الشباب ينحصر في إقتناء دراجة هوائية وبنطال وقميص لمتابعة الحفلات فقلت لهم: من الذي سيهتم ببلدنا!!
تأثّرت بمدرسة الاشتراكية الإفريقية التي لا تقوم على صراع الطبقات
عندما قرأت عن الحضارات المزدهرة في السودان قبل مجيئ العرب تساءلت لماذا لم يتم تعليمنا كل هذا الثراء العريض؟!
قرر اتحاد جبال النوبة ألاّ تذهب أصواتنا للمرشحين المستجلبين وهذا سبب المشاكل مع الأمة والاتحادي!!
حوار: نان أوب أتير - ترجمة: أبوبكر المجذوب
كم هو مدهش هذا البطل الأسطوري الشهيد يوسف كوة مكي، رجل يصارع السرطان في مرحلة متأخرة وهو يدرك دنو أجله، ورغم آلامه المبرحة يحاور هذا الصحفي، ويحكي قصة كفاحة وكفاح جيل وشعب وكأنه أراد استثمار هذه الفرصة ليدلي بشهادته على العصر.. فكان هذا الحوار الذي أجراه الصحفي نان أوب أتير ونشره في موقعه الخاص بالانترنت.. استغرق إجراء هذا الحوار يومين كاملين تخللت جلساته استراحات قصيرة لمدة نصف الساعة، حيث كان يوسف كوة وهو يعاني داء السرطان يتحدث بصوت خافت ولكن بذهن متقد وذاكرة حادة وناصعة، تحدّث عن حياته وعن نضاله من أجل حقوق شعب النوبة وأخيراً عن نضاله ضد السرطان..
صلابة هذا الرجل الذي رحل عن عالمنا في يوم 31/3/2001 ستظل مصدر قوة لكل المهمشين والمناضلين الساعين في طريق بناء السودان الجديد..
* السيد كوة، متى ولدت؟
- حسناً، في تلك الأيام لم يكن أهلنا يهتمون بمسألة تاريخ الميلاد، ولكن والدتي أخبرتني أنني ولدت بعد عودة والدي من حرب (تولشي)، وكانت حرب تولشي قد جرت في عام 1945م وكانت آخر حرب بين البريطانيين وبين شعب النوبة، وكان والدي ضابط صف في الحرب العالمية الثانية، وقد حارب في عدة مناطق مثل إثيوبيا والعلمين وغيرها.
* أين نشأت؟
- في البداية كنّا في جبال النوبة، ولكن بعد فترة قرر والدي الذهاب لـ(ود مدني) وهكذا ذهبنا معه، بعدها قامت الحكومة السودانية بعد الاستقلال باستدعاء الجنود السابقين حيث كانت في حاجة لهم لاستخدامهم في حربها ضد الثوار الجنوبيين (الأنانيا الأولى) وتم إغراء الكثيرين بالانضمام للجيش مرة أخرى بزيادة المرتبات والمكافآت الجيدة بعد الخدمة، ومن ثمّ قرر والدي الالتحاق مرة أخرى بالجيش ورجعنا نحن مرة أخرى لجبال النوبة.
* هل مهنة والدك كجندي أثّرت في إدراكك للوضع في السودان؟
- لقد أثّرت فيّ كثيراً عندها أدركت كيف تم استغلال والدي لقتال إخوانه في الجنوب، إنه لشيء ظالم.
* حدثنا عن تعليمك؟
- التحقت بأول مدرسة أولية في( ميري ) وجلست لامتحان الشهادة الأولية في 1957م وكان أدائي جيداً، ولكن لم ينجح أحد من المدرسة لأنّ المدرسين لم يقوموا بتدريسنا بصورة جيدة، فالناظر مثلاً، كان من المفترض أن يدرسنا مادة الرياضيات ولكن بينما يكون الطلاب داخل الفصل يأخذ كرسياً ويذهب للجلوس تحت ظل إحدى الاشجار، وكان من الشمال وكان يعتقد أنه ليس من حق النوبة أن يتعلموا.
* ولكنّك رغم كل هذا نجحت في الامتحان!!
- ذهبت لوالدي والذي كان في ملكال وقتها، سافرت إلى كادوقلي، ومن هناك إلى (كاكا) ومن ثمّ إلى ملكال وعندما وصلت إلى ملكال كان على الوحدة العسكرية التي يعمل فيها والدي الذهاب إلى الشمال، إلى شرق السودان في واقع الأمر، وهكذا ذهبت معه، وأعدت السنة في جبيت، وهناك نجحت في الامتحان، والتحقت بمدرسة سنكات الوسطى لمدة سنتين في كسلا، وبعدما انتقلت المدرسة إلى سنكات. أكملت فيها عامين وبعدها التحقت بمدرسة التجارة الثانوية في الخرطوم، و أود أن أقول أنني كنت تلميذاً جيداً في المدرسة الوسطى وكذلك مسلماً جيداً، ولكن عندما انتقلت لمدرسة التجارة الثانوية في الخرطوم حدثت بعض الأحداث وكان ذلك في عام 1964م وأثرت فيّ هذه الأحداث فيّ كثيراً.
فبعد ثورة 1964م الشعبية ضد الحكومة القومية كان هناك كثير من النقاش والحوار في الأوساط الاجتماعية، فأحد المواضيع التي قسمت السودانيين إلى فريقين كان حق المرأة في التصويت في الانتخابات، في أحد تلك الأيام كان أستاذ التربية الإسلامية قد سألنا في الفصل (ما هو رأيك في أن تنال المرأة حق التصويت في الانتخابات)، وشارك كل الطلاب وكان بعضهم مع إعطاء المرأة حق التصويت وكان البعض ضد ذلك.
* ما هو رأيك وقتها؟
- بالتأكيد كنت مؤيداً لإعطاء المرأة حق التصويت، فنحن في جبال النوبة لم نكن نرى المرأة أقل شأناً من الرجل، وبعد انتهاء النقاش سأل بعض الطلاب الأستاذ عن رأيه فكان رده (حقوق المرأة!! لماذا تعطى النساء أيّة حقوق!؟ إن النساء لا يعملن حتى في البيت أو المطبخ)، فأولاد النوبة يقومون بتلك الأعمال، وأحبطت جداً من ذلك الكلام، وقمت بإلقاء كتبي على الأرض وغادرت الفصل، هذا ما كان يلقاه ويحس به النوبة، وهذا الإحساس بالتمييز أثّر بعمق على خياراتي وتوجهاتي السياسية، بعد حصولي على الشهادة الثانوية، لم أذهب للجامعة مباشرة، بل ذهبت لدارفور للعمل كمعلم وعملت كمعلم مرحلة متوسطة هناك لمدة (5) أعوام في الضعين ثم عام آخر في نيالا، ثم جلست لامتحان الشهادة الثانوية مرة أخرى والتحقت بعدها بجامعة الخرطوم في كلية الاقتصاد وكان ذلك في عام 1975م.
* كيف كانت الخرطوم في ذلك الزمان؟
- حسناً يا أخي، لا أدري حقيقة، ولكنها كانت مدينة عادية مثلها مثل مدن الشمال، تعج بالتفرقة والتمييز، كعادة تلك المدن، ففي السودان إذا كنت أسوداً تعامل كعبد!!.وهذه إحدى مشاكل الشمال، ولكن هناك أشياء أخرى أثرت في توجهي السياسي في ذلك الوقت، عندما قدمت طلبي للالتحاق بجامعة الخرطوم كنت أود الالتحاق بكلية الآداب لدراسة اللغات، ولكن مكتب القبول وزّعني في كلية الاقتصاد، وهذا ما لم أندم عليه إطلاقاً، فدراسة الإنثربولوجيا والعلوم السياسية فتحت عيني على أشياء كثيرة في الحياة وفي الوضع السياسي وعلى أشياء أخرى.. وقع في يدي كتاب ألّفه الزعيم التنزاني جوليوس نايريري اسمه (دعنا نجري عندما يمشي الآخرون)، وكان يعني أنّ على الأفارقة أن يسرعوا الخطى أكثر من الأوربيين لأنّ الأخيرين سبقوهم كثيراً، ولكن أكثر موضوع أثار اهتمامي في ذلك الكتاب هو تناول نايريري للديانات التقليدية الأفريقية.
فالأحداث التي مرّت عليّ في المدرسة الثانوية، وحياتي التي كنت أعيشها، وباعتقادي الديني كمسلم لم أكن متصالحاً مع نفسي. فرغم إحساسي أنني أعيش كمسلم إلاّ أنني كنت أحس أنّ هنالك شيئاً يشوش عليّ ذلك الإحساس، وكنت أحسّ بعدم الراحة النفسية، إلاّ أن نايريري قدَّم لي الإجابة التي أراحت نفسي وشفت غليلي، فحكى في كتابه تجربة شخصية مرّت عليه وهي كما يقول (صرت مسيحياً عندما كان عمري 12 عاماً، واعتقدت في المسيحية من وقتها، إلاّ أنني أعتقد أننا كأفارقة لدينا روحانياتنا الخاصة بنا..) وذكر لنا نايريري أن أباه كزعيم قبلي كانت لديه عدة نساء، وفي إحدى المرات طلب منه والده مرافقة إحدى زوجاته لحضور مراسم عزاء أحد أقربائها، وذهب معها نايريري، وبعد انتهاء مراسم العزاء حان وقت عودته مرة أخرى للمنزل برفقة زوجة أبيه، فأهدى لها أهلها عنزة، وكان على نايريري بالطبع اقتياد تلك العنزة، وعندما حاول جذبها جذبته العنزة واستمر هو يحاول جذبها وهي تجذبه، عندها قام أحد أقارب زوجة الأب بأخذ شعيرات من راس نايريري وشعيرات من جلد العنزة وفركهما في يديه مع بعضهما البعض وتلى همساً بعض التعاويذ، بعدها انقادت العنزة لنايريري بسلاسة، أعطاني اعتقاد نايريري في التقاليد والروحانيات الأفريقية بعض الراحة، فنحن في جبال النوبة لدينا الكجور، وفي كثير من الأحيان بعض الطقوس تراها أمام عينيك ولكنك لا تستطيع تفسيرها.
* هل هناك حادثة معينة لا تزال في ذهنك؟
- مثلاً عندما ينقطع المطر، يطلب الناس مجيئ الكجور، فيقوموا ببعض الطقوس وينزل بعدها المطر.
* هل يمكن القول أنّ كتاب نايريري وضح لك إمكانية المزاوجة بين الإسلام والمعتقدات الإفريقية؟
- ليس ذلك فقط، بل أعطاني الراحة النفسية، وأنّ الأديان كلها من مصدر واحد سواء كان الإسلام أو المسيحية أو اليهودية أو غيرها ولكن الشيء الوحيد في كل ذلك هو (الصدق)، وهذا واحد من الأشياء التي أثّرت فيّ عميقاً، وبالطبع بدأنا بعدها نتأثر بمدرسة الإشتراكية الإفريقية والتي لا تقوم على صراع الطبقات ولكن تستند على مشاعية الحياة المعيشية والتكافل في المجتمعات الإفريقية.
* ما هو الموضوع الأساسي الذي ركّزت عليه أثناء دراستك الجامعية؟
- أتذكر جيداً أنني كنت أدرس ذات مرة في شهر رمضان ذهبت إلى المكتبة الرئيسة في جامعة الخرطوم، ودخلت إلى مكتبة السودان هناك، وفجأة تبادر إلى ذهني سؤال!!! (ما هو المكتوب عن النوبة؟). لأننا منذ المرحلة المتوسطة وحتى الجامعة لم ندرس أيّ شيء عن النوبة، لقد درسنا كل شيء عن العرب، كيف أتوا السودان، كيف أنشأوا الممالك هنا وهناك، وكيف كم كانوا جيدين..... إلخ، ولكن لا شيء البتة عن القبائل والحضارات والثقافات الأخرى، عندها قلت لنفسي "لماذا لا تبحث عمّا كتب عن جبال النوبة؟"، ولحسن حظي وجدت كتاباً ضخماً بعنوان " النوبة، دراسة إنثربولوجية عن جبال النوبة في كردفان، لمؤلفه البريطاني سيقفريد ناديل ونشر في لندن عام 1947م وكانت هذه هي المرة الأولى التي أعرف فيها شيئاً عن نفسي، وعن القبائل المختلفة في جبال النوبة وعن كثير من الأشياء.
* هل قبل هذا لم تكن تعرف شيئاً عن التنوع والعادات المختلفة في جبال النوبة؟
- من الأشياء الطريفة جداً، عندما كنا في جبال النوبة فإنّ الإنسان يعرف قبيلته فقط، مثلاً أنا أنتمي إلى (الميري) لذا كنا إذا سئلنا " من هم النوبة؟" كنا نحاول أن نجيب "هم القبائل الأخرى وليس نحن" ولكن عندما خرجنا من جبال النوبة سواء ذهبنا للشمال أو للجنوب أو للشرق أو للغرب عرفنا فقط أننا كلنا نوبة.
على كل حال، وجدت ذلك الكتاب وكم كان مشوقاً وممتعاً عند قراءته، لأنّها كانت المرة الأولى التي أقرأ فيها عن نفسي، ويومياً وبعد الفراغ من المحاضرات كنت أهرع إلى المكتبة، وكان كثيراً ما يتم تنبيهي أنّ وقت إفطار رمضان قد حان لأنني كنت منهمكاً كلياً في القراءة عن الممالك الكوشية، والمروية، وعن مملكة تقلي، واكتشفت أنّه كانت هنالك الكثير من الممالك والحضارات المزدهرة في السودان قبل مجيئ العرب، وظل السؤال يلازمني "لماذا لم يتم تعليمنا كل هذا الثراء العريض، وكل هذه الحضارات والثقافات الباذخة؟
* هل كنت تناقش هذه المواضيع مع زملائك الطلاب؟
- حقيقة عقدنا مؤتمراً عن النوبة في جامعة الخرطوم في عام 1977م دعونا له كل طلاب جبال النوبة من الذين يحملون هموم قومهم ومشاكل جبال النوبة.
* لقد قلت (نحن) هل كان هناك أي شكل تنظيمي لطلاب جبال النوبة؟
- كان هناك عدد كبير من الطلاب المنتمين لجبال النوبة، لكن بعضهم لم يكن مهتماً بما كان يجري هناك وبعضهم كان يخاف حتى من نقاش تلك القضايا، ولكنّ الكثيرين كانوا مقتنعين بأنّ هذه هي حقوقنا، لذا بحثنا عن الطلاب الملتزمين بقضايا جبال النوبة، عقدنا المؤتمر الذي استمر أربعة أيام وحاضرنا عدد من المحاضرين، أتذكر منهم لـ استيفن سون وهو من علماء اللغويات الذين عاشوا في جبال النوبة زهاء العشرين عاماً، وجيمس فاريز وهو عالم إنثربولوجي ومصور وكتب عن الكوليرا والكتاب الشهير (الفن الشخصي للنوبة) والذي نشر في لندن العام 1972م.
* هل عقد هذا المؤتمر علناً؟
- لا، لقد قمنا باختيار الذين كنا نود أن يشاركوا وعلى ما أذكر فقد كنا بين الثلاثين إلى الأربعين شخصاً، ولست متأكداً الآن، وخرجنا بنتيجة أننا إن كنا نريد أن نساعد أهلنا النوبة لابد لنا من دخول المعترك السياسي، وكان علينا النضال ضد عقبتين كانتا تعيقان عملنا، وهما التعدد الديني والقبلي في جبال النوبة، وكما تعلم لدينا العديد من القبائل (أكثر من 50) ولدينا المسيحيين والمسلمين واللادينيين وكانت النتيجة الأساسية لذلك المؤتمر إنشاء حركة الشباب المعروفة باسم (كومولو) والتي أردنا أن نعمل من خلالها للدفاع عن الحقوق السياسية للنوبة.
* هل الشباب الذين انخرطوا في (كوملو) أتوا من قبائل مختلفة؟
- حسناً، المجموعة الأساسية كانت حول كادوقلي وبعضها من الدلنج، كان معنا شباب من الكواليب ومن هيبان وحاولنا أيضاً التمدد لمناطق أخرى ولكن كان ذلك صعباً والمنطقة الوحيدة التي لم يكن لنا فيها وجود كانت منطقة الجبال الشرقية مثل مناطق تقلي والعباسية وغيرها، وكنا كلنا بالطبع في جامعة الخرطوم لذا كان نشاطنا محدوداً حتى تخرجنا، بعدها ذهبنا للعمل في مناطقنا حول كادوقلي وغيرها من المناطق.
* هل كان عبد العزيز آدم الحلو عضواً في (كوملو) في ذلك الوقت؟
- بالطبع، وكان نائبي ونحن طلاب في الجامعة ولكن ليس نائبي في كوملو خارج الجامعة، قابلته أول مرة في جامعة الخرطوم وصرنا أصدقاء أعزاء منذ ذلك الحين.
* ألم يكن هناك أي سياسيين من النوبة في ذلك الوقت؟
- في عام 1964م تأسس اتحاد عام جبال النوبة وأتذكر أننا شاركنا في محاضرات عام 1965م عندما كنت طالباً في المرحلة الثانوية وكان طلاب جامعة الخرطوم خصوصاً ناشطين في GUN، ونجح الحزب في أن ينال عشرة مقاعد في البرلمان الشيء الطريف أننا قبل 1964م كانت لدينا في جبال النوبة الأحزاب التقليدية مثل الأمة والاتحادي الديمقراطي وكانوا في كل انتخابات يصدرون لنا المرشحين من الخرطوم أو الأبيض وكانوا يأتون محملين ببعض الأشياء بحثاً عن أصواتنا.
* هل تقصد أنهم كانوا يعطون الناس هدايا مقابل أصواتهم؟
- نعم، المال أو غيره، كانوا ينالون الأصوات وبعد أن ينجحوا لا يراهم الناس إلا في الانتخابات القادمة.
* ألم يقوموا بتقديم أي شيء لناخبيهم؟
- لا، لا، على الإطلاق، لم يكونوا حتى يعرفون من هم النوبة لأنهم كانوا يأتون من مناطق أخرى غير مناطق النوبة، لذا بعد ثورة أكتوبر 1964م وقيام اتحاد جبال النوبة، قرر الاتحاد أن أصوات النوبة يجب ألاّ تذهب لهؤلاء المرشحين المستجلبين، ويجب على النوبة انتخاب أبنائهم ولهذا فاز الاتحاد بعشرة مقاعد في انتخابات 1965م على حساب أحزاب الأمة والاتحادي الديمقراطي، ومنذ ذلك الوقت برزت عدة مشاكل بين هذين الحزبين وبين النوبة.
* كيف كانت علاقتكم بالأب فيليب عباس غبوش؟
- الأب فيليب عباس غبوش كان رئيساً لاتحاد عام جبال النوبة، وكنت أنظر إليه في ذلك الوقت كأب روحي، وقدم أشياء عظيمة وكبيرة من أجل النوبة.
* هل علمك أشياء في السياسة أو استلهمت منه مواقفك السياسية؟
- ليس في فصول دراسة أو شيء من هذا القبيل ولكن في الممارسة السياسية.
* ذهبت راجعاً لكادوقلي في 1980م؟
- نعم، وعملت معلماً في مدرسة كادوقلي الثانوية وكانت تلك فرصة لنا لاستنهاض الشباب المتعلم والمثقف لأنّ معظمهم كان من المعلمين في ذلك الوقت خاصة في جبال النوبة، لم يكن للكثيرين من الشباب في ذلك الوقت من طموح إلاّ إقتناء دراجة هوائية وبنطال وقميص لمتابعة الحفلات والاهتمام بالفتيات وأشياء من هذا القبيل، لم يكن لديهم على الإطلاق أي اهتمام بالسياسة، وكانوا هدفنا الأول وبدأنا نتحدث معهم (هذا هو بلدنا، إذا لم نهتم به نحن فمن سوف يهتم به؟).
* وكنتم تلتقون في بيوت أعضاء (كوملو)؟
- نعم، كنا نعمل مع من يمكن الاعتماد عليه.
* هل كان ذلك خطراً؟
- ليس بذلك القدر من الخطورة، و واتتنا الفرصة في 1981م.
معركة تلوشي أوضحت لهم جلياً صعوبة القضاء على الجيش الشعبي!
في تلك السنوات كان الجوع أخطر عدو لنا والبعض فكر في اللجوء للحكومة!!
قلت للحكومة لن تحل مشاكل النوبة دون حل مشاكل السودان عامة!
هذا ما قاله لي محمد الأمين خليفة... وقلت له: هذه سياسات المستعمر!!
الجندي المسيس أفضل من الجندي العادي
حتى العام 1993م لم تكن توجد نزاعات قبلية في جبال النوبة
* متى رجعت إلى فاريانق مرة أخرى؟
- رجعت إلى فاريانق في أبريل وهو الوقت الذي ينعدم فيه الماء بينها وبين جبال النوبة، ونصحت بعدم التقدم نحو الجبال لأنّ المليشيات ستنصب الكمائن في موارد المياه، لذلك مكثنا في فاريانق. في هذه الأثناء كان حمد عبد الكريم أحد قادة النوبة في كتيبة البركان الثانية إحدى كتائب الجيش السوداني قد صدرت إليه الأوامر بمهاجمتنا في فاريانق، وعندما بدأ القتال، وحسب ما قال وعرفناه بعد ذلك فإن أربعين في المائة من قواته كانوا خارج المعركة؛ إما قتلى أو جرحى، لذلك قال لقادته إنّ ما تبقى له من قوة لا يمكنه من التقدم إلى فاريانق ورغماً عن ذلك أصروا عليه بالتقدم إلا أنه (ركب رأسه) وعاد أدراجه إلى كادوقلي، وهناك تمّ اعتقاله و أودع السجن وفي هذه الأثناء حدث انقلاب البشير في 30 يونيو 1989م فتم إطلاق سراحه.
كنا في بحيرة الأبيض، في ذلك التاريخ وفي منتصف اليوم علمنا أنّ هناك انقلاباً عسكرياً قد حدث في الخرطوم ويقوده عميد في الجيش هو عمر البشير، وفي تلك الليلة دخلنا جبال النوبة.
* هل جذب الانقلاب الاهتمام إلى جبال النوبة ولذلك كانت تلك ميزة إيجابية بالنسبة لكم؟
- لم يتم ذلك على الإطلاق ولم يتغير شيء، ربما كان الأمر كذلك في الجنوب لأنّ قادة الانقلاب أعلنوا وقفاً لإطلاق النار هناك لمدة 6 أشهر، ولكن هذا لم يمتد لجبال النوبة لذا كنا نقاتل طوال تلك الفترة.
* هل التقيت بعبد العزيز آدم الحلو في مورو؟
- نعم، التقينا في (لمون) التي أقام فيها رئاسته، ومن هناك ذهبت إلى كرنقو حيث أقمت رئاستي هناك، وبعد فترة أخذ عبد العزيز كتيبة ولحق بي هناك وبعدها أخذ اسماعيل خميس ثلاث كتائب وذهب إلى الجبال الغربية وأسس قيادته هناك وكان كل ذلك في 1989م.
* هل كانت هناك أية استراتيجية للسيطرة على جبال النوبة.. إلى أين يجب أن تذهبوا أولاً.. وهكذا؟
- نعم، بالتأكيد.. كان لدينا مؤيدون في الجبال الغربية لذلك خططنا للذهاب إلى هناك، ونحن موجودون هناك إلى الآن. ورغماً عن كل جهود الحكومة التي قامت بحشد 35 ألف مقاتل من الجيش والمليشيات والمجاهدين لمعركة تلوشي، وكان وقتاً صعباً بالنسبة لنا ولكن قواتنا قاومتهم وبقي الجيش الحكومي حتى مايو وقت بداية الخريف، وكانت معركة تلوشي قد بدأت في ديسمبر 1991م، ورأوا الخطر الذي يمكن أن يتعرضوا له إذا بقوا هناك فترة الخريف، لذلك انسحبوا وهم يرسلون كمية من الأكاذيب في ضجة شديدة وبالصوت العالي (لقد نظّفنا جبال النوبة من التمرد) وأشياء من هذا القبيل.
* معركة تلوشي أخذت بُعداً أسطورياً في جبال النوبة.. هل لك أن تحدثنا عنها؟
- حسناً، كانت معركة كبيرة، ولا يمكنني أن اعطيك التفاصيل لأنني لم أكن هناك وكان محمد جمعة هو قائد تلك المعركة، وبالطبع كنت أقود المعركة من الرئاسة ولكن كان عليّ أشياء أخرى يجب الاهتمام بها. حدثت معركة تلوشي بعد انقسام الناصر في 1991م حيث انقطعت صلتنا بالجنوب وقتها ولذلك قلت أو تلاشت إمداداتنا وكان عليّ أن أكون متقشفاً جداً، وكانوا عندما يطلبون ذخيرة أقوم بإعطائهم صندوقين أو ثلاثة ليقاتلوا بها، وكانوا أحياناً يغنمون ذخيرة من الجيش، وكذلك غنموا كثيراً من الأسلحة في معركة تلوشي وأذكر أننا قتلنا الكثير من الايرانيين.
* هل رأيت جثثهم؟
- رأيت هياكلهم العظمية.
* رغماً عن أنّك كنت القائد الأساسي إلا أنّ العمليات قام بها آخرون؟
- نعم، قادة آخرون مثل عبد العزيز آدم الحلو واسماعيل خميس جلاب ومحمد جمعة، هذا صحيح.
* كيف كانت علاقتك بهؤلاء القادة؟
- منذ أن دخلنا جبال النوبة في 1989م كانت العلاقة جيدة، وكنا نعمل بتنسيق عال وجيد حتى حدث انقسام الناصر في 1991 حيث بدأ بعض الناس في تغيير مواقفهم أمثال عوض الكريم كوكو الذي التحق برياك مشار في 1996م، وذهب معه إلى منطقة بانتيو وكان معه طوال الوقت، وخاض كثيراً من المعارك مع النوير خاصة مع الأنانيا الثانية. وكان عوض الكريم يعتقد أن النوير أشجع من الدينكا وأنّهم لا يخافون القتال. لذلك عندما أعلنت دعمي لقرنق بعد التمرد مباشرة كان عبد الكريم سعيداً بذلك الموقف ولكنه لم يناقش معي ذلك الأمر. وأعتقد أنه ذهب وناقش الأمر مع آخرين أمثال أبو سدر الذي كان موقفه مختلفاً كلياً حيث قرر عدم القتال إطلاقاً، كان تقديره للموقف أنه سيحصل على وضع جيد لأنّه حين كان يقاتل في الجبال كان قائده هو عمر البشير، لذلك عمل هؤلاء مع بعضهم البعض وأرادوا استمالة الضباط والجنود الموالين لهم لإضعاف موقفي. كانت استخباراتنا تراقب الموقف، وقاموا بتحذيري، وطبعاً بذلت كل مجهوداتي لتجنب المشاكل. صحيح في البداية خاطبتهم قائلاً: (إنّ هذا الوضع سيئ جداً وفي كل الأحوال يجب أن نعمل على تجنب الصدام ضد بعضنا البعض لأنّ هذا لو حدث ستكون نتائجه مؤلمة، ويجب علينا أن نعامل أهلنا بصورة جيدة لأنّنا إذا تقاتلنا سوف ينهار كل ما حققناه، يجب علينا البقاء مع أهلنا حتى يأتي اليوم الذي نستطيع فيه الوصول إلى ترتيبات مع الحكومة أو غيرها. تلك كانت نصيحتي لهم ولكن كما أسلفت لك كانت لكل منهما أفكاره ورؤاه الخاصة به. عوض الكريم كان يعتقد أنّ الجيش الشعبي سيؤول لرياك مشار وكان يعتقد أن لديه الكثير من المؤيدين هنا وهناك.
* هل كان لديهم أي نوع من الدعم؟
- لا، لقد اختاروا بعض الضباط المتقاعدين من هنا وهناك وفي النهاية قمت باعتقالهم ومعهم بعض الضباط المتقاعدين الناشطين معهم.
* ماذا حدث لهم؟
- قمت بوضعهم في السجن، بعدها أخذتهم إلى فاريانق خارج جبال النوبة حتى لا تحدث أي اضطرابات داخل الجبال، ومن هناك أخذتهم بعض القوات إلى بحر الغزال، لأنني أردت أن يذهبوا إلى الجنوب ويبقوا هناك وأرسلت إليهم زوجاتهم للذهاب معهم. وبدأوا رحلتهم إلى الجنوب ولسوء الحظ كان مرض الكلازار منتشراً في فاريانق ومات الكثير من الضباط أثناء الرحلة إلى بحر الغزال. أمّا الذين وصلوا إلى هناك فقد أودعوا السجن، وبعد فترة قال د. جون (يجب أن نعفوا عنهم على الرغم مما حدث منهم)، لذا أطلق سراح من بقي منهم على قيد الحياة وذهبوا إلى الجنوب، إلى كايا وغيرها من المناطق. بعد ذلك كما أعتقد انضم عوض الكريم وأبو سدر إلى شخص من دارفور يدعى (أبو خازم) وكان هناك مراقبون من يوغندا والسودان وعرفوا بتحركاتهم لذلك أخذهم الأمن للسجن. وعندما ذهبت للمؤتمر الأول للحركة في 1994 عرفت أنهم هربوا من السجن وحاولوا الفرار إلى يوغندا إلا أنّهم اصطدموا بإحدى وحدات الجيش الشعبي، بعضهم مات في التو والباقون غيروا وجهتهم إلى زائير إلا أنّ وحدات الجيش الشعبي قطعت عليهم الطريق واشتبكت معهم حيث قتل عوض الكريم ويونس أبو سدر.
* هل تستطيع أن تصف الوضع في جبال النوبة بين عامي 1990 ـ 1991م؟
- في تلك السنوات كان الجوع هو أخطر الأشياء، وكان ذلك الوضع قد أقنعني أن الجوع هو أخطر أعداء الإنسان، نستطيع أن نقاتل أعداءنا ودباباتهم وآلياتهم وجنودهم لكن لا نستطيع مقاتلة الجوع.
* ما هو سبب الجوع؟
- قلة المطر، وكان ذلك الوقت حقيقة هو أسوأ الأوقات وكان الكثير من الناس يعانون وقال بعض الناس ألا سبيل أمامهم إلا اللجوء للحكومة.
* هل كانوا يتوقعون طعاماً من الحكومة؟
- في جانب الحكومة كانت هناك معسكرات إغاثة تابعة للأمم المتحدة وكانت الحكومة ترفض وصول الإغاثة للمناطق التي كنا نسيطر عليها.
* ماذا قلت لهؤلاء الناس؟
- قلت لهم إنه من الأفضل لهم الذهاب بدلاً من البقاء ليموتوا جوعاً.
* هل ذهبوا؟
- بالطبع، لقد ذهبوا.
* في وقت ما دخلتم في مفاوضات مع الحكومة، هل كان ذلك صحيحاً؟
- بدأ ذلك عام 1990م بواسطة أحد وزراء الحكومة وقتها ويدعى محمد الأمين خليفة، أرسل لي رسالة حاول أن يقول فيها (نعم نعلم أنّ لديك مشاكل وأن هذه المشاكل لا علاقة لها بالجنوب، دعنا نجلس سوياً لحل مشاكلكم شريطة الابتعاد عن الجنوب). فكان ردي عليه أنّ هذه هي نفس سياسات المستعمر (فرق تسد)، نعم نحن لدينا مشاكلنا الخاصة، ولكن هناك المشاكل العامة في كل السودان، ويجب أن تحل كل مشاكل السودان وبعدها ستحل مشاكلنا تلقائياً، لأنّ حل مشاكل النوبة لن يتم بدون حل مشاكل الجنوب وبقية أرجاء السودان، وإذا نحن أوقفنا الحرب مع الحكومة فإنها لن تتوقف في الجنوب، تلك كانت رسالته وكان ردي عليها.
وبعد انقسام رياك مشار حاولوا مرة أخرى عبر بوابة حاكم كادوقلي، أرسلوا لي بعض الناس والرسائل فحواها أن حاكم كادوقلي الجديد رجل جيّد وأفضل من الحاكم السابق، وأننا نستطيع أن نصل إلى اتفاق أو صفقة معه. أخبرتهم أنني لا أصدق ذلك لأنه حاكم وليس الرئيس، وإذا قام أحد ضباطي في أي موقع باتخاذ خطوات لا تنسجم مع سياستي فسوف لن أبقيه في موقعه، لكنهم أصرّوا (إنّه رجل جيد.. دعنا نجرّب) وهكذا، قلت لهم نحن لدينا أحزاننا ومآسينا في جبال النوبة مع هذه الحكومة، فعندما أتت أعلنت وقفاً لإطلاق النار في جبال النوبة، وأن هذه الحكومة تسمح بوصول الإغاثة للجنوب ولا تسمح بوصولها لجبال النوبة، كيف يمكنني الثقة في هذه الحكومة، وكيف يمكنني التعامل معها. إذا كانت الحكومة جادة في ما تطرح ومن باب إبداء حسن النوايا عليها أن تسمح بدخول الإغاثة لجبال النوبة، فكان ردهم دعنا نجلس لنرى إن كان دخول الإغاثة لجبال النوبة ممكناً، وإلى أين تذهب، وكان ذلك سبب اجتماع (تاباتيا). أتى ممثلو الحكومة المركزية في الخرطوم وممثلو حاكم كادوقلي وجلسوا مع ممثلينا في (تاباتيا) كان أحد المواضيع المطروحة للنقاش حرية الحركة بين مناطقنا ومناطق الحكومة. و وافقوا عليها مما يعني حرية حركة المواطنين بين هذه المواقع. كان المواطنون في مناطقنا يفتقدون الكثير من احتياجات الحياة بما فيها ملح الطعام. لذلك اندفعوا للمدن لشراء حاجياتهم وهناك تمّ منعهم من العودة مرة أخرى للمناطق التي أتوا منها وكانت تحت سيطرتنا، لذا أوقفنا كل الأمر وقتها.
* متى بدأ المواطنون الصعود للجبال من السهول سواء بإرادتهم أو بإجبارهم على ذلك؟
- حدث هذا بالطبع أثناء الهجمات أو عند حرق المزارع.
* في السنوات التي تلت 1989م كان هناك الكثير من الهجمات من الجيش أو من قوات الدفاع الشعبي على القرن في جميع أنحاء جبال النوبة، كيف تعامل الجيش مع هذه الهجمات؟
- حسناً، الحقيقة أنّ الهجمات لم تبدأ في 1989م، في البداية كانوا يأتون لمقاتلة الجيش الشعبي في المناطق التي يوجد فيها أو يسيطر عليها ولكن معركة تلوشي في 1992م أوضحت لهم جلياً صعوبة القضاء على الجيش الشعبي، لذا بدأوا بعدها في تبني سياسة جديدة وهي إبعاد المواطنين عن قوات الجيش الشعبي لعزلنا عن قواعدنا. وهي السياسة التي يتبعونها حتى اليوم. بدأوا في مهاجمة القرى لإجبار المواطنين على الذهاب لما يسمونها (القرى الآمنة).
* كيف تصف هذه (القرى الآمنة)؟
- لم أر هذه القرى، ولكن حسبما سمعت هي الأماكن التي يُجمع فيها المواطنون. بعض الأحيان كانوا يأخذون النساء للعمل في المنازل أمّا الرجال فيؤخذون للعمل في المشاريع الزراعية، وكان الأطفال يؤخذون للخلاوي القرآنية ليتم توجيههم إسلامياً. هذا هو ما سمعته بجانب الكثير من الانتهاكات التي تتم في (القرى الآمنة) هذه.
* هناك ما يسمى (السلام من الداخل)؟
- نعم، منذ 1992م بدأوا ما يطلقون عليه النفير الشعبي، وهذا يعني اختيار بعض زعماء القبائل ليذهبوا إلى مواطنيهم لاقناعهم أنّه من الأفضل لهم الانضمام للحكومة. وكانوا يقدمون لهم الملح والسكر وبعض الأشياء التي كنا نفتقدها في ذلك الوقت، وذلك لإغراء المواطنين للذهاب معهم إلى الجانب الحكومي أو ما يسمونه (القرى الآمنة) وهذه هي سياسة الحكومة منذ اللحظة التي أدركت فيها الثورة في جبال النوبة.
* هل كانت هذه سياسة ناجحة؟
- لحد ما نعم، أولاً منذ دخولنا جبال النوبة وإلى العام 1993م لم تكن توجد توجهات أو نزاعات قبلية في جبال النوبة، ولكن نتيجة لهذه السياسة بدأ المواطنون وجنود الجيش الشعبي يتأثرون بالنزعة القبلية. لقد استهدفت الحكومة تقريباً كل القرى، كانوا يرسلون زعماء القبائل أو بعض المثقفين لمخاطبة المواطنين بأحاديث من شاكلة (أنتم قبيلة.. كذا.. فلماذا تنقادون لـ(س).. أو (ص).. إنّ الحرب ليست شيئاً جيداً ويجب علينا العمل على إيقافها) وهكذا.
* وماذا فعلت أنت لمخاطبة هذا الواقع الجديد؟
- لا شيء سوى مخاطبة المواطنين موضحاً لهم أنّ سياسة الحكومة هذه هي سياسة (فرّق تسد).
* لقد سافرت كثيراً للالتقاء بالمواطنين؟
- بالتأكيد.. بالتأكيد. منذ العام 1989م اعتدت السفر من مكان الى آخر لأوضح للناس ما هي أهدافنا ولماذا نحارب. ولقد زرت أماكن كثيرة جداً. أحياناً كان سكان عدة قرى يتجمعون في مكان واحد لأخاطبهم مجتمعين، وهذا هو السبب الذي دفعني لزيارة كل أرجاء جبال النوبة التي كانت تحت سيطرتنا.
* تنسب إليك مقولة (لقد كنت دائماً منهمكاً في السياسة أكثر من انهماكي في القتال)؟
- يا عزيزي، لقد اعتقدت دائماً أنّ الجندي المسيس أفضل من الجندي العادي. إن الناس المسيسين يعرفون لماذا يقاتلون، يعرفون كيف يقاومون وكيف عليهم مواجهة الصعاب وهكذا. لذا يمكن القول أنني سياسي أكثر من كوني مقاتلاً، لذا كنت أقسم جولاتي بين الجيش وبين المواطنين، ومنذ العام 1990م بدأنا في تنظيم المواطنين لكي يحسوا بمشاركتهم في النضال.. بدأنا في (نقوريان) حيث كنت أقيم، اختار الناس ممثليهم على مستوى القرية. كانت السنة الأولى فترة اختبار، ثم بدأنا تنظيم (البيامات) ثم انتقلنا لتنظيم المقاطعات، وبعد انقضاء تلك السنة أثبتت التجربة نجاحها، فعممناها على جميع المناطق التي كانت تحت سيطرتنا. بعد سنة أجرينا احصاءً سكانياً وكانت النتيجة أنّ المواطنين الذين يعيشون في مناطق سيطرتنا فاقوا 400.000 (أربعمائة ألف) مواطن.
* هل كانت هناك علاقة بين الجوع الذي تحدثت عنه و بين إجراء هذه الإدارة الديمقراطية؟
- لم تكن هناك علاقة، كان هدفنا هو جعل المواطنين يشاركون؛ خاصة المدنيين، وهذا هو السبب الذي جعلنا نسعى للتعرّف عليهم، والاقتراب منهم لكي يحسوا أنّ الأمر ليس عسكرياً فقط وأنّ الجيش الشعبي ليس شيئاً غريباً ومنفصلاً عنهم ومعلقاً في الهواء بل إنّه جيشهم وأنّهم جزء منه. تلك كانت الفكرة وراء تنظيم النّاس ولا علاقة لها بالجوع، فالجوع موضوع مختلف تماماً.
* كيف تم اختيار الممثلين؟
- دعونا كل سكان القرية لعقد مؤتمرهم، وهناك قاموا باختيار لجنتهم، وكانت تتكون من أحد عشر عضواً، وضمت زعيم القرية وممثلات للنساء وتم اختيارهم بحرية تامة، وهكذا قامت كل قرية باختيار ممثلها.
ثم قامت كل عشر قرى بتكوين (بيام) وقام ممثلو القرى العشرة بتكوين لجنة البيام من أحد عشر من ممثلي القرى. وضع في ذهنك أنه كان يجب اختيار ممثلات للمرأة وممثل للمحاكم الأهلية.
وتكوّن كل خمس بيامات مقاطعة، ويقوم ممثلو البيامات باختيار مجلس المقاطعة. وكان هذا صعباً في البدايات نسبة لانخفاض عدد المتعلمين في جبال النوبة في ذلك الوقت، ولا زالت هذه النسبة منخفضة حتى الآن. بداية كنا نريدهم أن ينخرطوا في الجيش وهذه النقطة لا علاقة لها بشرط التعليم، ثم كنا نريدهم أن يتعرفوا على مشاكلهم، وأن يتعاملوا معها بأنفسهم، وإن لم يقوموا بهذا بأنفسهم فستظل مشاكلهم دائماً في أيدي الآخرين، وهذا لا يريد فكراً نخبوياً فقط الإحساس العام بها لديهم يكفي.
* لكن كيف تعامل الناس بقلة خبرتهم مع أفكار مثل الديمقراطية؟
- لا أتفق معك تماماً، فمعظم النوبة خبروا نوعاً تقليدياً من الديمقراطية، في الماضي إذا حدثت أية مشكلة في القرية، يجتمع كبار السن لمناقشة تلك المشكلة ليخرجوا بعد ذلك النقاش ببعض القرارات التي يجب على القرية القبول بها، لهذا فلا يمكنك القول أنّ الديمقراطية غريبة على مجتمع جبال النوبة.
المشكلة الحقيقية كانت خوف المواطنين من الجنود. فعندما أتى الجنود للمرة الأولى كانوا صارمين بعض الشيء، وكانوا يحلون ما يقابلهم من مشاكل بالقوة، وهذه كانت الصعوبة الحقيقية في البداية، لذلك كنا نشجع المواطنين ونقف إلى جانبهم حتى استعادوا ثقتهم بأنفسهم في النهاية.
* قلت إنّ الجنود كانوا صارمين بعض الشيء، كيف كان نوع تصرفاتهم؟
- حسناً، معظم الجنود كانوا منضبطين ولكن الجنود عموماً ينظرون للمدنيين من علٍ، حتى لو كانوا متعلمين، إنّهم فقط (ملكية)، وكانت هذه دائماً هي المشكلة، فعندما يريد الجندي شيئاً ما ويرفض المواطن إعطاءه ذلك الشيء يقوم الجندي وببساطة بأخذ ذلك الشيء، ولكنهم عموماً كانوا منضبطين خاصة في جبال النوبة، بعضهم كان يحاول استخدام سلاحه من أجل السرقة وهؤلاء كنّا نقوم بإعدامهم.
* تحدثت عن الجوع الذي دفع البعض للذهاب لمواقع الحكومة، هل هذا ما دفعكم لتكوين المجلس الاستشاري؟
- مرة أخرى أقول لك لم يكن للجوع أية علاقة بنوع الحكم أو الإدارة أو التنظيم، لقد اجتمع المجلس الاستشاري في سبتمبر 1992م.
* لدي انطباع أن.....
- مقاطعاً: ما قاد إلى تكوين المجلس الاستشاري شيء مختلف تماماً. كما أخبرتك سابقاً حاول بعض الناس القيام بانقلاب ويمكنك اطلاق أي اسم تريد على تلك الأحداث، وكان يجب على اعتقالهم وارسالهم للجنوب لكنني بالتأكيد كنت قد قلت (اذا لم يكن مواطنونا يرغبون في القتال، فإن دفعهم إلى ذلك صعب جداً، لذا من الأفضل أخذ آرائهم في ذلك الأمر المهم. وكانت تلك هي الفكرة وراء انشاء المجلس الاستشاري.
في 1992م كنا قد كوّنا كل المنظمات بما فيها المقاطعات المختلفة. لذا أصبح كل أعضاء مجالس المقاطعات أعضاء في المجلس الاستشاري، وأيضاً قادة الجيش والزعماء القبليين وممثلي المسلمين والمسيحيين وهكذا، وكان أعضاء المجلس الاستشاري حوالي الـ200 عضو، واستمرت أولى دوراته حوالي الأربعة أيام.
في اليومين الأولين كنت المتحدث الاساسي في الجلسات، تحدثت عن تاريخ النوبة منذ الممالك الكوشية وحتى الاستقلال ثم تحدثت عن انشاء اتحاد عام جبال النوبة وميلاد منظمة (كومولو)، وكيف اطلعنا على مانفستو الجيش الشعبي لتحرير السودان

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

The Eritrean news is a glimpse of the history of the Popular Front for the Liberation of Eritrea

Popular Front: Hezbawe Genbar
Ahmed Omar Sheikh: Ahmed Ome Sheikh
The Popular Front is a historical and progressive extension of the evolution of the Eritrean revolution and the first forms of rebellion against the Eritrean man against the various forms of aggression and domination of his land and existence, the emergence of the common struggle of the "nine ethnic groups", the growing desire and efforts to "liberate" And the expulsion of the "colonizers" from it through their various palaces and colors (Ottoman / Italian / British), as well as
(The emperor / Healy Silassie feudalism, Colonel / Mencisto Hilly Mariam Social in Ethiopia, and the global and regional forces supporting them), and to the establishment of the Eritrean Liberation Movement and its "Seven Cells" In the political / era of the end of the "fifties" of the last century, to launch the product of this awareness and framing the Eritrean armed struggle and the first shot af…

# Ambassador of Arabic Culture-------Ali Naib.

Ali Naib.
Hishtaq Today we know that we love the # of ___ Ahmed I do not have words to express my admiration for the writings of Ahmed and I know no matter what we wrote about the letters will not meet his right enough to be distinguished in many fields of Eritrean culture Ahmed Kent and I still see him as an ambassador of the Arabic language and representative of Eritrean culture at home and abroad I am a fan Ahmed's writings are always sparkling and happy with his presence and presence among us in the sites of communication, despite his preoccupation, did not prevent us from appearing to make every expatriate away from his family and homeland, and I am among them that the homeland is safe and safe and well known for our brilliant creative poet Ahmed Omar Sheikh, a loving and loving man of the country I have never seen a reddening D on any personality criticizing his personality with the method of some non-literary and this is indicative of the culture of Ahmed and respect for all…

The psychology of religious extremism ----- Hossam Abdel Hussein

The psychology of religious extremism
Hossam Abdel Hussein
The doctrine of man defines the treatment in real behavior, whether positive or negative, and extremist religious thought is now rooted in the world, especially in the Middle East and Europe, especially in the heavenly religions (beyond nature) of Christianity and Islam, which means the intolerance of a person or group Religion or doctrine in a given religion, and extremism may be positive in the acceptance of full or negative in the direction of total rejection, and is the limit of moderation in the middle distance between them, it is a closed method of thinking characterized by the inability to accept any beliefs differ from the beliefs of the person or group or tolerance
Religious extremism has its manifestations in the lack of science and failure in life, the inability to progress and creativity, the intolerance of opinion and the non-recognition of the other opinion, especially in matters of judgment, with absolute hatred of…