هكذا طردنا اليهود من ارضنا- خالد عياصرة
هي في الجمال غاية الحسن، وفي اللطف مرهم الحزن، تحرسها أشجار البلوط، والسرو، والتين والزيتون، ودعوات العجائز كذلك، على بوابتها قائمة بأسماء الشهداء الذين ارتقوا إلى السماء حاملين بنادقهم، التي دافعوا بها عن أرضهم العربية في فلسطين، ومقدساتهم، ومبادئهم.
قرية وادعة تتربع على سفوح الجبال، فمن جهة تطل على فلسطين ترقبها وتراقبها إلى أن يحين الله أمراً كان مفعولا، ومن أخرى تعانق جبال الشيخ مغازلة، وأخرى تمد فضاء يديها إلى عمان والمفرق والزرقاء، تستمتع بها الأنفس إن دخلتها، وتتوق لها إن خرجت منها، هي ساكب، قريتي، من دخلها عاد اليها.
ذاك المكان الذي نٌسي كما غيره في غياهب الدولة، فلم تتذكرها أو يذكرها أحد، وكأن تاريخنا الأردني وصمة عار، ورجالاتنا قطاع طرق ! مع أنها – أي قريتي - شاهد عصر ومشارك في رسم أحد مشاهد الزمان، فترة من عمر المكان، نسيها الزمان أو تناساها الرجال بفعل وقصد.
تبدأ القصة مع أحد كبار العشيرة، مصطفى الرجا العياصرة ( أبو شبلي) شيخ البلدة، وعنوانها ذاك الزمن، عندما استقبل وفود العشائر الأردنية التي اجتمعت للرد على المشروع الإسرائيلي الصهيوني القائم على استيطان الضفة الشرقية لنهر الزرقاء.
المشهد بدا غريباً لإهالي المنطقة، المتسامحين دينياً مع من يسكن جوارهم، إلا أن المشروع الصيهوني لم ينطلي على رجال تلك المرحلة الذين امتلكوا من الوعي الفطري أكثر مما ملَك ساسة، ومفكرين عصرنا الحالي، من أصحاب جوقة سلام الخرفان وأخواتها، لذا كان ولأبد من مواجهة الخطر الداهم الذي يمثله سرطان الصهيوني القابل للتوسع والتمدد، بمنتهى الحزم.
الركام الأساطير
إن كنت مارًا في طريقك إلى جرش مثلًا، ورأيت باصاً من السياح متوقفًا على الجسر الذي يعلو نهر الزرقاء، وثمة سياحاً بالقرب منه، يصورون، ويتمتمون بصلواتهم، لا تغضب، لا تستغرب، فقط، عد، وفتش عن التاريخ !
فنهر يبوق المقدس حسب ما ذكر المؤرخين– أطلق عليه الصليبيون نهر التماسيح - مذكور في التوراة، توقف على ضفافه نبي الله يعقوب في طريق رحلته إلى فلسطين، وهناك غير الله أسمه إلى إسرائيل تكريما له، بعدما انتصر يعقوب عليه، كما تقول الاسطورة التوراتية، منذ ذلك الحين يقدس اليهود في كتبهم ومروياتهم واساطيرهم المكان.
ولأن التاريخ لا ينسى، ولا يسقط بالتقادم كما الأشياء، أعاد اليهود في عام١٨٧٠ م احياء اسطورة نهر”يبوق” من جديد، فارتحلو من أصقاع الدنيا، اليه، واشتروا الأراضي، وبنوا على ضفته الشمالية مستوطنة زراعية، زرعوا محيطها، وأكلوا ثمارها، وكأنهم يسيرون بذلك، وفق أسطورة مسير النبي اسرائيل !
ثمة وثيقة تشير إلى المستوطنة التي بنيت على سهول نهر الأردن الشرقية عام ١٨٧٠، وثيقة خاصة بالهيئة البريطانية لحماية مصالح اليهود، تابعة للبرلمان الإيرلندي عام ١٧٤٥، ففي في شهر آب من العام 1874 وجه بينيش سالانتابن، حاخام اليهود الاشكناز في القدس رسالة إلى السير موسي مونتفيوري، عمدة لندن، ومؤسس أول حي يهودي في فلسطين - تقول:” أنه مضى على المستوطنة الصغيرة 4 سنوات من العمل في الزراعة حيث أننا قمنا بإستئجار 5 فدانات من البدو القاطنين في سهول نهر الأردن شرقاً. وهي تدر ربحاً قليلاً وأنهم مضطرون للعمل نهاراً والحراسة ليلاً . وشدد على طلب التسهيلات المالية اللازمة من أجل بناء المنازل والتوسع بالتجارة أو شراء 5 فدادين اخرى من البدو المذكورين”.
الرسالة تبين، أن المستوطنة هي الزرقاء المقصودة بذلك، ففي تلك الفترة لم يبنى في شرق الأردن أي مستوطنة خلا تلك التي تم انشاءها على الضفة الشرقية لنهر الزرقاء عام ١٨٧٠، والرسالة جاءت بعد ٤ سنوات على بناءها وقبل سنتين من هدمها عام ١٨٧٦م.
أول عمل عسكري
وثيقة أخرى ذكرها المؤرخ الدكتور ربحي حلوم في إحدى محاضراته - المنشورة في صحيفة القدس العربي اللندنية – بدعوة من المتقاعدين العسكريين الاردنيين، تبين أن عشائر المنطقة، رفضت الوجود الصهيوني بجوارها: “إن رجالات العشــائر في شرقي الأردن من قبائل بني حسن والحويطات والحمايدة والتلول والعشائر الأخرى قد اجتمعـوا في مطلع تموز من عام ١٨٧٦م، في مضارب الشيخ مفلح العبيدا ت(ابو كايد) أحد شيوخ بني كنانة، في بلدة ساكب”جرش” وتوجهوا حاملين أسلحتهم البدائية والعصي والشباري ، إلى الضفة الشمالية من نهـر الزرقاء بوادي جرش حيث أقيمت أول مستوطنتين لمهاجرين يهــود ، وقاموا بإحراق المستوطنتين وطرد اليهود الذين فر الناجون منهم باتجاه العارضة، ثم توجهوا بعدها إلى منطقة النبي هـود إلى الشمال الغربي من السلط وأحرقوا المستوطنة الثالثة التي أقيمت هناك ”كفار أهـود” وطردوا اليهود منها”.
عند اتصالي بالدكتور حلوم، وسؤاله عن الوثيقة، وضرورة الاطلاع عليها، رد قائلاً: الوثيقة من المتعذر تداولها أو وضعها قيد التوزيع أو التداول، فهي ليست في متناول اليد، ولا هي في أدراج بيتي أو مكتبتي، بل في مكان أكثر أماناً، وليس من الحكمة وضعها قيد التداول !!
ويضيف الدكتور حلوم:” تستطيع الإشارة إلى مصدر المعلومة” الوثيقة” وفق الأصول المرعية التي تدركها بلا شك، لأنني أتحمل شخصياً المسؤولية القانونية لأي إعادة نشر أي نص منقول أو مصور عنها، عدا عن المحاذير المترتبة على كشف المصدر الذي زودني بها”.
الدكتور حلوم، وقع بخطأ قد يكون ناتجاً عن الترجمة، وقد يكون ناتجا عن غير ذلك، إذ إعتبر ساكب، تابعة لإدارة الشيخ مفلح العبيدات، مع أن الحقيقة مختلفة، فالقرية في تلك الفترة لم تكن تابعة لأحد، وهي تحت رعاية الشيخ رجا مصطفى العياصرة، أحد شيوخ ناحية المعرا والتي (تضم بلدات ريمون، الكتة، نحلة، ساكب، الحدادة).
فإن كانت الوثيقة تقول صراحة أن الاجتماع تم في قرية ساكب، فهذا حتماً لا يعني مضارب كفرسوم، بل يعني مضارب العياصرة، وفي بيت شيخها، لا بيت الشيخ مفلح العبيدات. جراء بعد الشقة ما بينها وبين منطقة نهر الزرقاء، وكثرة المشقة التي تترتب على انتقال الوفود العشائرية لها.
خصوصاُ وأن قرية ساكب بعيدة عن مضارب العبيدات، والاقرب و الأنسب لعسكرة المقاتلين، لمجاورتها لمنطقة نهر الزرقاء “يبوق” أكثر من غيرها، ومنها يمكن تنفيذ الخطة بمنتهى السهولة.
لكن هذا لا ينفي بطبيعة الحال وجود اجتماعات أخرى، عقدتها العشائر الأردنية للتشاور، من بينها اجتماع في مضارب الشيخ مفلح العبيدات في إربد، أسس للإجتماع بلدة ساكب في جرش. قد يكون الشيخ مفلح العبيدات أحد حضوره، باعتبارة أحد شيوخ العشائر.
لذا يمكن القول: ان هناك اجتماعين، الأول: تشريعي ضم ممثلون عن عشائر بني حسن، والحويطات والحمايدة، والتلول، وباقي عشائر الأردن، أقيم في مضارب الشيخ مفلح العبيدات، كما ذكرته الوثيقة.
واجتماع الثاني: ذو صبغة تنفيذية عسكرية حضنته بلدة ساكب، واستقبله الشيخ العياصرة، انطلق بعده الفرسان في اليوم التالي، وهاجمو المستوطنة واحرقوها وطردوا المستوطنين منها، بما توافر لديهم من أسلحة. وذلك بعد ٦ سنوات على تأسيسها.
وبهذا يمكن القول: إن الاجتماع الثاني في بلدة ساكب، يعد بلا أدنى شك أول عمل عسكري منظم ضد الفكرة الصهيونية على الأرض العربية، قادها شيوخ وأهالي الأردن بمنتهى الشجاعة.
الطلقة الأولى ولن تكون الأخيرة
بعد هجوم ساكب لم تقم قائمة لأي مستوطنة أخرى في شرق الأردن، لكن هذا لم ينفي وجود بعض الاسماء التي اتصلت بالوكالة اليهودية وتواصلت معها لبيعها الاراضي، إلا أن محاولات هؤلاء تكللت بالفشل والعار الذي لم ينسى، خصوصاً وأن الشعب كان واعي لتحركاتهم ومشاريعهم، ماضيًا وحاضراً، والتي لم تنتهي إلى الأن.
على أثر الثورة العربية الاردنية، وطلقتها الأولى، التي قادتها العشائر، ضد الوجود اليهودي في المنطقة اصدرت الدولة العثمانية قرار اً منعت بموجبه، الهجرة اليهودية إلى الاراضي المحيطة ”نابلس، عكا، القدس” عام 1876.
خالد عياصرة

Comments
Post a Comment