محمد نجيب
* حرصت أن تكون أول تأشيرة في جواز بلدي الجديد هي تأشيرة إلى السودان!.
* أحرص على تربية أولادي ليفتخروا بأصولهم دون تطرف، وتعليمهم العطاء والمشاركة والاحساس بأن كل هذا السودان جنوباً وشمالاً هو ملكٌ لهم!.
* لحظة الرحيل ودعت العاصمة شارعاً شارع وبيتاً بيت، بعد أن إختزنت الوجوه والونسات والمشاجرات، وكنت أجهش بالبكاءعند سماعي أغنية عن السودان في المواصلات العامة!.
جملة قالها زميلها الاثيوبي في مكان العمل فلفتت إنتباهها، عندما رأى كيفية تعامل السودانيين مع بعضهم البعض، أطلق الجملة متسائلاً عندما كان يراقب تعامل السودانيين وتآزرهم ومواساتهم، حتى مشاركة الطعام والونسات والاستماع إلى الاغاني، شتم الحكومات والضحك بالصوت العالي من القلب وصفق الأيادي فقال: (كيف تفعلون ذلك وأنتم خضتم أطول حرب أهلية ضد بعضكم ، والأدهى أنكم إنفصلتم عن بعضكم البعض؟ ثم مضت مبدعتنا موضحة:- ” هكذا نحن كسودانيين جنوبا وشمالاً نلفت رؤوس الشعوب الأخرى إعجاباً لأن شيئاً اصيلاً أصالة النيل يميزنا عن باقي الشعوب ، الطيبة والتسامح وحب الناس وتقديم الخدمة للآخرين ببشاشة ، صانعون مهرة للعلاقات الانسانية الايجابية برأس مال الانسانية ليس إلا ، حتى الجنوبي الذي لم ير الخرطوم البتة ترى فيه هذه السودانوية بوضوح ، ويظل انسان السودان الشمالي هو الأقرب لانسان السودان الجنوبي مهما صعبت الظروف وكثرت الازمات ، إليست هذه وحدها طاقة إيجابية تحرج حكام لا ندري من أين أتوا ؟ الذين يحاولون نثر الرماد على كل ذلك ووضع أوهامهم بدلاً عن ذلك ، بافتعال كراهية ليست موجودة إلا في نفوسهم ، وإبتكار عداوةٍ هم سلفاً مريضون بها ولكن الشعب السوداني برئ منها.”
هذه هي “أستيلا قايتانو” ذات المواهب والمهن المتعددة، كاتبة وقاصة وصحفية وموثقة ثم صيدلانية. إبنة الجنوب التي أطلت بأعمالها الإبداعية في فضاء الثقافة السودانية في الألفية الثالثة وما انفكت تدهش قارءها بنصوصها الأقرب إلى ما يسميه النقاد سحر واقعية أدباء لاتين أمريكا!. وما انفكت هذه الأبنوسية إبنة جنوب السودان ترفد الحياة الثقافية جنوبها وشمالها بنصوص أعمالها المغذية لوجدان السوداني في أبعاده الانسانية، وتساهم بقدر وافر في ترميم ما علق بالأنفس جراء التقسيم القسري الذي شق إنسان السودان إلى نصفين في أعقاب الانفصال الجغرافي الذي وقع بعيد الاستفتاء على قضايا الوحدة والانفصال بين شطري ربوع البلاد العزيزتين. فتجتهد قايتانو ضمن العديد من مثقفي الشعبين من أجل إعادة – أو على الأقل الإبقاء على جذوة العلاقات الأهلية بين الأجيال القادمة في المنطقة أكثر إتقاداً، علها تعمل مستقبلاً على إعادة حلم الوحدة بأقوى مما كانت عليه.
بكل هذه القيم التي تحملها مبدعتنا أستيلا، ولأجل إجلاء وإضاءة هذا البذل الذي تتحمل أعباءه ندلف معها لمحاورة تجلي أكثر سيرتها وسريرتها.
حاورها: حسن الجزولي
* لأي مدى تماهى المبدعون الوحديون في الشمال والجنوب مع حلم الوحدة ؟
+ المبدعون المزيفون وطبالي الحكومات هم الذين تماهو مع حلم الوحدة دون وجود نظرة فاحصة للواقع ، انا وحدوية ولكني كنت أخاطب المشكل السوداني بكل آلامه وأبعاده حتى إعتقد الناس بأني إنفصالية ؟ لأن الوحدة لا تعني مجرد التغريد والتصفيق فوق آلام الناس ، المبدع الحقيقي الوحدوي إنتبه لكل الظلم والمظالم وعبر عنها وسلط عليها الأضواء، مشاكل الاقصاء والشعور بالغربة في الوطن وتقسيم المواطنيين إلى درجات، وإهمال الثقافات الأخرى على حساب الثقافة العربية، كما إتهمتني إحدى الصحف بأن كتاباتي قد ساهمت في الإنفصال أكثر من الوحدة، بالذات قصص النزوح والحروب! فقلت بالعكس، إضاءتي لتلك المشاكل كان يعني بأني أدقُّ أجراس الخطر، بأن هناك أناس منسيون والأيام تسوقنا نحو أن يدلوا بأصواتهم بعد سنين قليلة، وعلى الحكومة إحتواء مشاكلهم وحلها لأن إهمالهم يعني بأنهم سينقبلون على مشروع وحدة البلاد!، وهكذا تجد أن المبدعين الحقيقيين انفسهم كانوا معزولين ومكممي الأفواه وكتاباتهم مصادرة لأنهم يدلون بالحقائق من أجل المصلحة العليا للوطن!.
* في الواقع فحب السودان الواحد يظهر جلياً في كتاباتك؟!.
+ كنت حريصة بأن تكون أول تأشيرة في جوازي هي تأشيرة إلى السودان، والسودان لم يكن دولة غريبة عنا مكثنا فيه حيناً ثم غادرناه!، وسيظل السودان هو الوطن الذي أشرف على ميلادنا وطفولتنا ودراستنا وهو جزء لا يتجزاء مني مهما حدث، فهو وطن أولادي وزوجي وأحبابي وأصدقائي الرائعين فكيف ساقطعه وأتظاهر بأني لم أعد من هنا؟ سيكون ذلك محط انفصام ليس إلا، إن تجاهلت حنيني إلى كل ذلك، فأنا أحب السودان وكان هدفي أن نناضل سوياً من أجل سودان للجميع ولكن تم ذبحنا من الوريد إلى الوريد وسكتنا عن الكلام!.
* ومع ذلك قررتي مرةً البحث عن وطن بديل؟!.
+ أحمد الله أن الآراء يمكن تبديلها وليست كالمبادئ ، نعم قد أطلقت هذا الرأي من قبل وهو ليس سوى تعبير عن غضب منى وحسرة على ضياع وطن مثل السودان، رغم كل السلبيات التي فيه!، لذا كنت عازمة على الرحيل، ولكن عندما أصبح الانفصال بمثابة واقع، كان نداء الواجب الوطني داخلي أقوى من وساوس الرحيل إلى وطن ثالث ، لأني قلت أيضاً في إحدى مقالاتي، على الذين يدعون للوحدة إذا جاءت النتيجة عكسية، عدم ترك الوطن للإنفصاليين ، لأن واجب البناء مشتركٌ، وهو في النهاية نتيجة للأغلبية الراغبة في هذا ويجب إحترام ذلك! ، وعلينا جميعاً كوحدويين وانفاصاليين العمل على تحقيق فكرة السودان النموذج في دولة الجنوب الوليدة!، ولن يتم ذلك سوى بالتكاتف، لأن قرار تقرير المصير ليس قراراً سهلاً، بل هو قرار وطني ومن الواجب أن يتشارك الجميع في درء سلبياته وتأكيد إيجابياته وفي النهاية نحن في السودان الكبير!.
* مالذي جال بخاطر أستيلا وهي تحمل جواز سفر أجنبي لتزور به السودان لأول مرة في حياتها بعد الانفصال؟!.
+ في بهو المطار كنت مليئة بالغضب والخذلان والألم ، وأحس بأن أي فعل كان مقصوداً لتعطيلي رغم أنها إجراءات عادية يمكن أن يتعرض لها السودانيون أنفسهم ، ولكن مشاعري كانت سلبية جداً وغاضبة جداً وكنت أحس بالضيق وأصاب بالعبرة والبكاء بدون أسباب حقيقية!، وكنت أقول بأني لن أتجاوز هذا بسلام. ولكن الآن فإن الوضع أكثر من عادي، وأشفق على من يزور السودان لأول مرة من الجنوبيين، فسيمر بمرحلة عصبية يفتعل فيها المشكلات، ومثل هذا لم يتجاوز الأمور بعد!، مثلي تماماً!.
* كيف تتدبرين الأمور الأسرية والمعيشية بعد الإقتلاع من موطنك في الشمال؟.
+ أولاً لم يقتعلني أي أحد ، أنا من اخترت الذهاب ولكن الاعلام هوالذي صور الأمر بهذا السوء، ولكني لا أنكر بأن هناك من أقتلعوا إقتلاعاً من كل تفاصيلهم الصغيرة والكبيرة، وأنا متضامنة معهم تماماً ، كنت أعمل في صيدلية، لم يلمح لي أحد مجرد تلميح بأن أترك العمل، بالعكس كانوا أكثر من أخوة وطالبوني بالاستمرار!، لكني قررت العودة كما عاد أغلب الناس بحكم أن الواجب الوطني يتطلب ذلك، بالاضافة لعدم الارتياح بشكل عام لأني لن أكون فعالة ومشاركة بشكل واسع ومباشر كما في السابق، لذا حولت عملي إلى هناك لأكون قريبة من الناس ومن الأرض ولأبني الوطن مع إخوتي يدا بيد، وحتى زوجي وأولادي كانوا معي هناك لنعيش معا ولنعمل سوياً ، ولكن الحرب الأخيرة هي التي فرقتنا كما فرقت أسراً جنوبية كثيرة. اما الأصحاب والزملاء والجيران فإني التقيهم كل ما أزور السودان. وبخصوص العمل فإني أعمل في إحدى شركات الأدوية وأكتب بالصحف المحلية هناك وأشارك في العمل العام وأدرس في جامعة جوبا للتحضير في الدراسات العليا حسب الإمكانيات المتاحة.
* صفي لنا مشاعرك عندما أزف الرحيل؟!.
+ قبل أن أتخذ قرار العودة جنوباً كنت أحس بأني أموت كل يوم ألف مرة، ومرت بي حالة من الإكتئاب الحاد لمدة عامٍ كاملٍ!، وودعدت الخرطوم وأمدرمان وبحري شارعاً شارع وبيتاً بيت، بعد أن ملأت أعيني بكل المناظر العادية التي ظللت أمر بها كل يوم واختزنتها، وكأني لن أعود مرة أخرى إليها!، إختزنت الوجوه والونسات والمشاجرات، وكنت عندما أسمع أي أغنية فيها إسم السودان أو الشمال والجنوب في المواصلات العامة، أجهش بالبكاء، كان ألماً غير محتمل وأعطيت نفسي وقتاً كافياً، ولما جاء يوم الرحيل، فعلت ذلك بصمت وهربت من الوداع، وتفاجأ جيراني وأصدقائي بأني في جوبا!، بعدها عدت وجوبا جزءاً مني أيضاً!، رغم إحساس الغربة التي كاد يقتلني في البداية، أما الآن فأنا على أحسن حال وأحاول مد يدي لوطني الجديد وفعل أحسن ما عندي لنمضي إلى الأمام.
* ما هي اللغة التي ستحرصين ايداعها لابنائك ؟
+ كل اللغات التي يستطيعان إستيعابها ، لأن ذلك جزءٌ منهم وسوف أغرز فيهم أن يفتخروا بكل ذلك وبأنهم أغنياء ثقافياً أكثر مني ومن والدهم. (أولادي بدمائهم الشمالية والجنوبية التي تجري في عروقهم فيه فخر لهم ، ولهم كل الحرية في إختيار طريقة معيشتهم وخياراتهم، ولكنا نحرص على أن بفتخروا بأصولهم دون تطرف، ونعلمهم العطاء والمشاركة وعدم اذية أنفسهم أوالآخرين وأن يحسوا بأن كل هذا السودان جنوباً وشمالاً هو ملكٌ لهم.)


Comments
Post a Comment