المفكر العالمي الدكتور حسن الترابي -رسائل الشيخ الترابي في السجن...
يكتبها :
بارود صندل رجب المحامي
يحسب الناس أن السجن كله شر لا يطيقه من دخله إلا مكرهاً ومضطراً، ذلك أن السجن يعني قيد الحرية في كل شيء؛ فيصبح المسجون فاقد الإرادة الحرة، بالدرجة الأولى. ولكن الذين ألفوا السجون والمعتقلات لهم وسائل وطرق في قهر ظلمة السجن والانطلاق في الآفاق، يمارسون حياتهم ويؤدون دورهم بوسائل شتى، لا ينكفئون على أنفسهم ويندبون حظهم العاثر، بل يواصلون المسير بهمة ونشاط.. السياسيون لديهم تجاربهم الشخصية في الاعتقالات، بعضها تصلح للنشر لفائدتها، فهلا أقدموا في تقديم تجاربهم للعامة.
تفتقر الاعتقالات السياسية إلى الموضوعية، وجلها خاضع لتوهمات لا تسندها الوقائع. الأجهزة الأمنية في العالم الثالث لا هم لها إلا تلفيق التهم والأباطيل في وجه الخصوم لتزج بهم في غياهب السجون. والغريب الذي لم يجد له مبرراً الإجراءات التي تتخذ في السجن بمنع الاتصال بأي أحد، ومنع وسائل التواصل مع إذاعة وتلفزيون وصحف لماذا؟ ما دام الشخص قد حبس ولا سبيل له لتعكير صفو الأمن وهو بين الحيطان لا حول له ولا قوة.. أي تفسير لهذا المنع؟ ومن الممنوعات والمحظورات القلم وما أدراك ما القلم؟ يمنع القلم لئلا يكتب. ومن المسائل العادية في الاعتقالات التفتيش الدوري وبدقة بحثاً عن الأقلام، فإن وجد قلم عند أحد فستلاحقه العقوبات والجزاءات، يحصل هذا كله ولائحة السجون تقول «يسمح للمتحفظ عليه لدواعي الأمن بإحضار الكتب الدينية والثقافية والصحف والمجلات على نفقته الخاصة»، «يسمح للمتحفظ عليه لدواعي الأمن كتابة واستلام خطابات شخصية على أن تعرض قبل إرسالها أو امتلاكها على الجهة التي أمرت بحفظه».
في سلسلة مقالات عن هذا الموضوع نتناول حياة الشيخ حسن الترابي في السجن كيف يحيى ويمارس حياته في السجن في ظل القيود المفروضة عليه. عاصرناه فترة في السجن وكان يتمتع بقدر من الحرية بعضها مسموح به، والآخر اكتسبه بشخصيته فهو يتجاوز بعض القيود مثل الاتصال بالمسجونين والتحدث إليهم ودعوتهم للصلاة جماعة، فيضطر السجانون لغض الطرف عن ذلك، إما احتراماً له أو رهبة منه.
ورغم إصرار المسؤولين على عدم السماح بذلك حتى اضطروا إلى عزله تماماً فلا يدخل عليه إلا السجانون يحملون إليه الطعام ويتفقدونه.. ولكن السؤال هل استسلم لذلك؟ الرجل، كما قال أحد العلماء الأفذاذ عندما حبسوه: «السجن خلوة والنفي سياحة والتعذيب تكفير عن الذنوب». وهكذا انطلق الشيخ، يمارس حياته ويتدبر أمره ويراسل إخوانه ويبدي رأيه في كل القضايا وساجنون يظنون أنه معزول لا يعلم شيئاً عن ما يدور خارج أسوار السجن بل خارج زنزانته. كنا في الجانب الآخر من السجن ويفصل بيننا وبينه سور طوله أكثر من ثلاثة أمتار، وهنالك مجموعة من معتقلي الشعبي في الجهة الجنوبية من زنزانة الشيخ، وهؤلاء عند خروجهم للتحري والعودة يمرون عبر زنزانة الشيخ، كما أن باباً مغلقاً يفصل بيننا وبين هؤلاء، ومن خلال ثقب في الباب نتبادل الأخبار ونتلقى الرسائل شفاهة من الشيخ، وقد تم ترتيب الأمر بصورة دقيقة،
تعبر عنها رسالة الشيخ الخطية «بسم الله الرحمن الرحيم، وعليكم السلام ولكم الدعاء خلوة ومناجاة. يعبر إليّ جيران لكم وهم مأمونون، يرتب موقع الاتصال الدوري - عبرهم - وهذا الوقت مناسب والموقع كذلك.. لكن حرك المرمى متراً إلى الجنوب، الرسالة ذات فائدة، أتدبرها ثم أجمع رؤى شتى لرد الرسالة، لا سيما أن الخبر خير في سياق الابتلاء، مصائرنا القريبة الآجلة عند الله، ولكن يلزم التخطيط لمساقات الأمور فيما نستقبل، وما هو بالتمني ولكن أرى خيراً مذخوراً مثل أواخر مايو.ونحن في مثل هذا، أتابع قضيتكم والحمد لله على كل حال، إذا اشتدت الحاجة لأداة الاتصال البعيد أبلغكم، الجار ذو القربى»..
عزيزي القارىء، لك أن تتدبر معاني هذه الرسالة أتظن الرجل حبيسا!! يتحدث عن الهم العام وعن المستقبل وعن التخطيط وعن الأمل، وقد جرت العادة أن يتحدث السجين عن همومه ومحنته وعن كيفية خروجه من هذا المأزق. كنا ننقل له ما يجري خارج السجن من أحداث محلية وعالمية وحزبية ودعوية بعضها بالتفصيل والآخر في شكل نقاط، لذلك تراه يطلب أداة اتصال مباشر ليطمئن أكثر «تلفون»..
لا تسألني عن كيف يدخل التلفون إلى السجن رغم الإجراءات، فهذا من الأسرار التي يصعب البوح بها في ظل القوانين المقيدة للحريات، فباب السجن ما زال مفتوحاً لاستقبال المعتقلين زرافات ووحدانا.
يكتبها :
بارود صندل رجب المحامي

يحسب الناس أن السجن كله شر لا يطيقه من دخله إلا مكرهاً ومضطراً، ذلك أن السجن يعني قيد الحرية في كل شيء؛ فيصبح المسجون فاقد الإرادة الحرة، بالدرجة الأولى. ولكن الذين ألفوا السجون والمعتقلات لهم وسائل وطرق في قهر ظلمة السجن والانطلاق في الآفاق، يمارسون حياتهم ويؤدون دورهم بوسائل شتى، لا ينكفئون على أنفسهم ويندبون حظهم العاثر، بل يواصلون المسير بهمة ونشاط.. السياسيون لديهم تجاربهم الشخصية في الاعتقالات، بعضها تصلح للنشر لفائدتها، فهلا أقدموا في تقديم تجاربهم للعامة.
تفتقر الاعتقالات السياسية إلى الموضوعية، وجلها خاضع لتوهمات لا تسندها الوقائع. الأجهزة الأمنية في العالم الثالث لا هم لها إلا تلفيق التهم والأباطيل في وجه الخصوم لتزج بهم في غياهب السجون. والغريب الذي لم يجد له مبرراً الإجراءات التي تتخذ في السجن بمنع الاتصال بأي أحد، ومنع وسائل التواصل مع إذاعة وتلفزيون وصحف لماذا؟ ما دام الشخص قد حبس ولا سبيل له لتعكير صفو الأمن وهو بين الحيطان لا حول له ولا قوة.. أي تفسير لهذا المنع؟ ومن الممنوعات والمحظورات القلم وما أدراك ما القلم؟ يمنع القلم لئلا يكتب. ومن المسائل العادية في الاعتقالات التفتيش الدوري وبدقة بحثاً عن الأقلام، فإن وجد قلم عند أحد فستلاحقه العقوبات والجزاءات، يحصل هذا كله ولائحة السجون تقول «يسمح للمتحفظ عليه لدواعي الأمن بإحضار الكتب الدينية والثقافية والصحف والمجلات على نفقته الخاصة»، «يسمح للمتحفظ عليه لدواعي الأمن كتابة واستلام خطابات شخصية على أن تعرض قبل إرسالها أو امتلاكها على الجهة التي أمرت بحفظه».
في سلسلة مقالات عن هذا الموضوع نتناول حياة الشيخ حسن الترابي في السجن كيف يحيى ويمارس حياته في السجن في ظل القيود المفروضة عليه. عاصرناه فترة في السجن وكان يتمتع بقدر من الحرية بعضها مسموح به، والآخر اكتسبه بشخصيته فهو يتجاوز بعض القيود مثل الاتصال بالمسجونين والتحدث إليهم ودعوتهم للصلاة جماعة، فيضطر السجانون لغض الطرف عن ذلك، إما احتراماً له أو رهبة منه.
ورغم إصرار المسؤولين على عدم السماح بذلك حتى اضطروا إلى عزله تماماً فلا يدخل عليه إلا السجانون يحملون إليه الطعام ويتفقدونه.. ولكن السؤال هل استسلم لذلك؟ الرجل، كما قال أحد العلماء الأفذاذ عندما حبسوه: «السجن خلوة والنفي سياحة والتعذيب تكفير عن الذنوب». وهكذا انطلق الشيخ، يمارس حياته ويتدبر أمره ويراسل إخوانه ويبدي رأيه في كل القضايا وساجنون يظنون أنه معزول لا يعلم شيئاً عن ما يدور خارج أسوار السجن بل خارج زنزانته. كنا في الجانب الآخر من السجن ويفصل بيننا وبينه سور طوله أكثر من ثلاثة أمتار، وهنالك مجموعة من معتقلي الشعبي في الجهة الجنوبية من زنزانة الشيخ، وهؤلاء عند خروجهم للتحري والعودة يمرون عبر زنزانة الشيخ، كما أن باباً مغلقاً يفصل بيننا وبين هؤلاء، ومن خلال ثقب في الباب نتبادل الأخبار ونتلقى الرسائل شفاهة من الشيخ، وقد تم ترتيب الأمر بصورة دقيقة،
تعبر عنها رسالة الشيخ الخطية «بسم الله الرحمن الرحيم، وعليكم السلام ولكم الدعاء خلوة ومناجاة. يعبر إليّ جيران لكم وهم مأمونون، يرتب موقع الاتصال الدوري - عبرهم - وهذا الوقت مناسب والموقع كذلك.. لكن حرك المرمى متراً إلى الجنوب، الرسالة ذات فائدة، أتدبرها ثم أجمع رؤى شتى لرد الرسالة، لا سيما أن الخبر خير في سياق الابتلاء، مصائرنا القريبة الآجلة عند الله، ولكن يلزم التخطيط لمساقات الأمور فيما نستقبل، وما هو بالتمني ولكن أرى خيراً مذخوراً مثل أواخر مايو.ونحن في مثل هذا، أتابع قضيتكم والحمد لله على كل حال، إذا اشتدت الحاجة لأداة الاتصال البعيد أبلغكم، الجار ذو القربى»..
عزيزي القارىء، لك أن تتدبر معاني هذه الرسالة أتظن الرجل حبيسا!! يتحدث عن الهم العام وعن المستقبل وعن التخطيط وعن الأمل، وقد جرت العادة أن يتحدث السجين عن همومه ومحنته وعن كيفية خروجه من هذا المأزق. كنا ننقل له ما يجري خارج السجن من أحداث محلية وعالمية وحزبية ودعوية بعضها بالتفصيل والآخر في شكل نقاط، لذلك تراه يطلب أداة اتصال مباشر ليطمئن أكثر «تلفون»..
لا تسألني عن كيف يدخل التلفون إلى السجن رغم الإجراءات، فهذا من الأسرار التي يصعب البوح بها في ظل القوانين المقيدة للحريات، فباب السجن ما زال مفتوحاً لاستقبال المعتقلين زرافات ووحدانا.

Comments
Post a Comment