Skip to main content

و يستمر الحديث عن زهاء

و يستمر الحديث عن زهاء 
(زهاء بلا شك أضاف للغة القصة القصيرة إضافات هامة وأتصور أنه إلى جانب إبراهيم إسحق, قدما مداخل لمشروع لغوي جذري للقصة ينهض في بلاغة وجمال الدارجة ولغة غرب السودان. حري به أن يكون هو لغة مستقبل القصة الحديثة في السودان . التي تتلاقح وتتفاعل فيها لغات السودان في مختلف أطرافه, ليتخلق من هذا المزيج).
هكذا وصف الناقد أحمد ضحية اللغة القصصية لزهاء الطاهر مضيفا أنه احد كتاب القصة القصيرة, الذين افرزتهم مرحلة التحولات الحداثية, منذ اواخر السبعينيات من القرن الماضي.
ملمحان أساسيان يستوقفان قارئ زهاء الطاهر, في كتابته للقصة القصيرة, والملمحان الأساسيان هما الاسلوب المميز في تعامله مع اللغة القصصية, أو لغة الكتابة كما في وجه جالا يتجلى.
كما ان لغة زهاء الطاهر القصصية والحديث لازال لضحية, تتميز بالاختزال والتكثيف والايحاء, واستخدام المفردات فيما يشبه الجناس مع توظيف المترادفات أيضا.
تشكل اللغة في كتاباته نسيجاً مختلفاً عن اللغة عند الطيب صالح بذات درجة الاختلاف عن اللغة عند ابراهيم اسحق, اذ تقف لغة زهاء في منتصف المسافة بينهما, وهي ليست صعبة بمفردات غير مألوفة تماما, كما نستشعر عند إبراهيم اسحق. وليست سهلة بسيطة, كما نجدها عند الطيب صالح.
وربما اسهم زهاء بذلك في لعبة اللغة القصصية, بأن جعلها قادرة على تأدية معانيها الى اقصى حد ممكن, لكأن لغته تخرج من اغوار ذلك العالم الحكائي الحلمي الناعم لالف ليلة وليلة, لتمتزج بلغة القصة المعاصرة ولغة الشعب في غرب ووسط السودان مشكلا هذا مزيجا خاصاً به.
نشأ زهاء الطاهر في مدينة الأبيض نشأة صوفيه كمعظم أبناء كردفان التي تعتبر من اكثر اقاليم السودان تصوفا, غير أن زهاء تعود أصوله الى قبيله الداجو التي بنت في الماضي مملكة عظيمة في دارفور اسمها مملكة الداجو, وزهاء تأثر كثيرا بامجاد جدوده وهذا ما تجلى في كتاباته عن المنطقة والمملكة في قصته (عين الداجو).
غادر زهاء البلاد الى الخليج وعاش فيه ردحاً من الزمان حاملا قلمه أداة حرفته الوحيدة التي يعتاش عليها, فعمل صحفيا في المهجر غير أنه ظل موجودا في الوطن عبر كتاباته التي لم تنقطع في صحف الخرطوم.
زهاء الطاهر قدرته على احتمال نار البعد عن ارض المليون ميل كانت محدودة, فعاد اليه بآمال وتطلعات كثيرة في منتصف تسعينيات القرن المنصرم الا أنه اصطدم بالتغيرات التي طرأت على الاوضاع تفاجأ بالجحود في الوطن الذي عاد اليه ملهوفا, فلم يجد فرصة عمل يوفر له ولأسرته الصغيرة الحياة الكريمة فعاش ظروفا سيئة الى أن تعرف على التشكيلي العوام الذي ألحقه بوظيفة بصحيفه الخرطوم ليصرف على اسرته المكونة من بنتين وزوجته.
وفي العام 2004 توفي زهاء الطاهر بشكل مفاجئ عن عمر يناهز السابعة والاربعين بعد صراع قصير مع المرض وطويل مع الفقر, كتب زهاء عن كل قبائل السودان فكتب عن الجعليين قصه الارباب وكتب عن الشايقية السنجك وكتب عن الحلب الحمطري وكتب عن الفلاتة قصه حاربونا, وكتب عن كل قبيلة وكأنه أفنى وسطها كل عمره وبعد وفاته سمي منتدى ثقافي اسبوعي باسمة تخليدا له.
صديقه ابراهيم العوام يقول عنه: (رغم ان زهاء يحسبه الناس يسارياً ككاتب إلا انه رحمه الله كان صوفياً متدينا وهذا ما لاحظته من خلال معايشتي له, وكان شخصا هادئ الطباع كريماً ومهذباً وشديد الحياء حتى عند مرضه بالجلطة استحى ان يطلب مني توفير دواء الضغط لمدة عشرة ايام, وربما كان سببا في وفاته, التقيته في العام 1997 وهو من مؤسسي منتدى العوام الذي سمي لاحقا باسمه تخليدا له).
أما صديقه الناقد والصحفي عامر حسين فقد قال: لم ألتق في حياتي شخصا يحتفي بالاصدقاء والحياة كزهاء الطاهر ويملك حاسة وحساسية خاصة تجاه اهل الفن خاصة والثقافة مع مسحة صوفية يغلفها حزن مقيم تخفيه ضحكته ومرحه الطفولي, يقسم زهاء يومه حسب تكاليف عمله وقليلاً ما كان يتأخر وسط المدينة التي لم يكن يحبها كثيرا, وكان يبدي راحة كبيرة وهو يرحل من منزله في الفتيحاب حيث اسرته وزهرتيه (الزا وجالا), ولزهاء طريقته الخاصة في معرفة الناس وله صداقات متعددة تبدأ من اهل الثقافة ولا تنتهي إلى (الكهربجي احمد) وعامل طباعة بسيط, مروراً بالفنان إبراهيم العوام والتشكيلي والشاعر محمود عمر, وكانت له قراءات خاصة به للشخصيات حسب معاييره لذلك جمع كل هذه الصداقات تحت لوائه, وزهاء القاص يهتم بنصه القصصي وشخوصه الذين يخلدهم بكتاباته لسان حاله وبقدرة تنوع شخوصه من (ود السايطه) واحمد الهبوش مرورا بحواء بنزين وأغانيها التي يعشقها ولا يغنيها, كان يغني لسرور وحسن الهاوي وابو داوود .ومن احدى دعاباته انه في احدى المرات صافح احدى السيدات وهو ممسك بيدها صاح احد اصدقائه طالبا اسم هذه السيدة, فكانت اجابة زهاء: (يا زول هوي ما تتوازن عايزني أبقى ليك زاكرة). وقال له احد اصدقائه وكان يبدو شديد الاعياء: (يا زهاء انا متهم نفسي بالفشل الكلوي) ولم يجد زهاء ما يجيب اكثر من قوله: (معليش أحسن ليك من الفشل في الحياة).
الناقد والكاتب أحمد عبد المكرم قال إن زهاء الطاهر ينحدر من ثقافة لغوية متينة, فهو في بداية تعليمه تلقى علوم اللغة وآدابها من الخلوة وحتى تخرجه في معهد أمدرمان العلمي, وبما أن اللغة هي أداة الادب الرئيسية فإنه جاء في كل ما كتب بهذا التميز العميق التي برزت في عوالمه القصية ورواياته وحتى في رسائله الطويلة جدا لأصحابه, أي أنه كان بارعاً في ما يسمى بأدب الاخوانيات واستطرادا من كافة اصدقائه الحميمين وغير الحميمين الذين تلقوا خطاباته ورسائله ذات القيمة الادبية العالية والتوادد الانساني الجميل أن يجتهدوا على جمعها وتصنيفها توطئه للنشر في كتاب وأنا زعيم انه سيكون سفرا او كتابا ممتعا لا يقل تشويقا عن ما كتبه من قصص وروايات.
زهاء الطاهر الأديب والمبدع يشكل اتجاهاً وتياراً إبداعياً لا يستهان به في حركه الكتابة النثرية المعاصرة في السودان, حيث تفرد بنصه السردي بحكم تشربه بثقافة المكان الذي اتى منه لمجتمعات كردفان أو غرب السودان عموماً, حيث حولتها موهبته الفريدة الى موضوعات وقضايا واسئلة انسانية خرجت من ظلمة الصمت الثقافية التي تعاني منها ثقافات الاطراف والهامش الى نور الحضور الابداعي والثقافي الكبير مع منظومات الحوار الثقافي في المركز, ومن هذه الزاوية أعتقد أن أدب زهاء الطاهر يمثل مع اخرين هم (إبراهيم إسحق وأبكر آدم إسماعيل ومنصور الصويم.... الخ) التيار القوي والعالي الصوت لادب المهمشين في الثقافة السودانية, وذلك من مرجعيات ثقافية حتى لا يساء فهم المصطلح بمحمولاته السياسية ذات العيار الثقيل. العبارة السردية لزهاء تأتي مشبعة ببلاغة اللغة الفصحي العامية وبلاغة المحكية, وهذا ما يعطي للفضاء الابداعي لنصوصه نكهة وتميز واصالة صوت لا يمكن مقارنته مع اخرين الا وصوته، فزهاء الطاهر الانسان زهاء التجربة الابداعية وزهاء الصوفية الذي تكامل بانسجام وطلاقة دون تناقض مع احتياجات ذاته الابداعية والأدبية والفنية.
الروائي والقاص عيسى الحلو تحدث عن زهاء الطاهر قال: التقيت به لأول مرة في إحدى المنتديات الادبية التي كانت تقام للتعرف على ادبه, كان ذلك قبل وفاته بعامين وتمنيت لو أنني كنت أعرفه قبل ذلك. وقال: (هكذا مضى زهاء الطاهر.. كما يمضي ابطال قصصه الادبية).
القاص الراحل زهاء الطاهر.. كان عندي دائما قاصا وفنانا استثنائيا. رغم انني لم اعرفه على الصعيد الشخصي بشكل جيد.. كنت القاه عرضا ومصادفة.. كان انسانا يتسم بهدوء عميق رغم ان نصوصه تأتيك بكل صخب الحياة.. ومن ثم كنت ارى زهاء بركانا يخفي ثورة طي جوانحه.. ومضى يقول: (التقيت به في احيان كثيرة وتحدثت اليه حول الكتابة القصصية السودانية المعاصرة, كان رجلا لطيفا وعذب الحديث ينحو في كتاباته منحىًً خاصاً وهذا المنحى يوضح تميزه القصصي ويجعله متفردا في هذا اللون من الكتابة القصصية, كان يركز على الشخصية المحورية في القصة ويحيطها بمعرفة كاملة حيث يرصد قصائصها الذاتية دون أن يفصل هذه الشخصية عن محيطها الثقافي في كل مستوياته, ولهذا كانت شخصياته مقنعة في صراعها ما بين قيم الريف والمدينة وذلك من خلال أداء لغوي يميل الى الشعرية, حيث رهافة الرؤيا ونفاذها الى جوهر ما تريد أن تعالجه القصة وان تقول في نهاية الامر هو قاص متفرد من حقه علينا ان نحتفي به لانه استطاع ان يضيف الى الكتابة القصصية السودانية الحديثة.
عندما تناهى الى اسماع د. حيدر ابراهيم خبر وفاته كتب متأثراً... لقد مات زهاء في الشارع وهذا عارنا المقيم والندم اليقظ .. فالوطن الذي يموت مبدعوه وشعراؤه وكتابه يثير الفزع والجنون في الاحياء لقد تخلى عنهم الوطن ـ الأم ، فماذا يتبقى من اسم الوطن وأمان الأم..
اغتيل زهاء الطاهر لأن من لم يمت بالسيف مات بغيره وهذا ما قتل زهاء. لقد مات بغيره: الإهمال، التهميش والاقصاء وفي نفس الوقت يرى أن كل امرئ يحتل في السودان غير مكانه، لذلك كان يموت كل يوم مرتين.
موت زهاء في الشارع لو حدث في دولة متحضرة لقامت وزارة الثقافة ولم تقعد لان مثل هذا الامر يمس جوهرها كمصدر للخلق والابتكار. تصورت لو كان مالرو وزير الثقافة المعروف في فرنسا او حتى ثروت عكاشة هو المسؤول عن الثقافة ووصل اليه هذا الخبر ماذا كان سيفعل؟ ترك زهاء زوجة وبنتين في فضاء الاهمال والصمت، ولا ادري هل وصلهم أي مسؤول للعزاء؟ يقاس تطور أي بلد ليس بعدد براميل البترول المنتجة او المناطق التي تغطيها خدمات الهاتف، بل حسب قيمة الانسان عموما فما بالك اذا كان مبدعا. وبالذات في دولة المشروع الحضاري يتوقع المرء أن يكون الاعلى من قدر الإنسان هو الانسان لابد من تعديل سلم الاولويات وان يكون الانسان في مكانة عليا تماما.
أين موقف المبدعين انفسهم في حالة زهاء..
وانتقد حيدر علاقات المبدعين والمثقفين السودانيين البينية ..وقال إنها إما غابة او صحراء, فقال إنهم في الاولى (غابة) يأكلون لحوم بعضهم احياء ولا يذكرون محاسن رفاقهم الا بعد موتهم تطبيقا للقول المأثور. أما الثانية (الصحراء) نتيجة هذه العلاقة الغريبة لم ينتج المبدعون السودانيون، ما يماثل امكاناتهم التي تهدر في النميمة وقعدات الاغتيالات.
ان موت زهاء يعجل من ضرورة تضامن المبدعين والمثقفين في كيانات وهيئات مستقلة عن السلطة ومستقلة عن علاقات التخلف التي تسود بينهم, ومن الامور الملحة التي يجب التداعي اليها فكرة تكوين صندوق دعم مستقل للمبدعين يكون ريعه من التبرعات وحقوق التأليف والمعارض والمهرجان.. لابد من تكاتف معنوي من خلال اتحادات وهيئات تجمع المبدعين لمناقشة ونقد الكتابات والأعمال, وايضا للمسامرة فقط اى ازالة آثار الغابة في علاقات المبدعين.. سيظل طائر زهاء الطاهر حيا يصرخ ويصيح في الجميع ولا يعطي ضمائرهم فرصة لغفوة قصيرة اذ يكفي اننا قتلناه رسميين وغير رسميين، في الشارع العام.
وهكذا رحل زهاء الطاهر مخلفا وراءه ذاكرة وحنيناً وجدلا كذلك الذي تثيره روائعه الادبية الخالدة المتفردة التي كثيرا ما دفعت اقلام النقاد دفعا لتسويد صفحات الصحف بالكتابة عنها...
وقيل عنه عند رحيله
زهاء كوكب تولد نجيمات تدلت من سقف السما
دوماً تشع تستحثنا عدم النسيان..
زهاء باقي في ذاكرة الكلمات ما جرى بها مداد
فقد دنت ذكراه الخامسة.. فالأيام تجري ومارس على وشك أن يدهمنا.
مودة حمد
صحيفة الحقيقة

Comments

Popular posts from this blog

Mona Farouk reveals scenes of "scandalous video"Egyptian actress Mona Farouk appeared on

Mona Farouk reveals scenes of "scandalous video"Egyptian actress Mona Farouk appeared on Monday in a video clip to discuss the details of the case she is currently facing. She recorded the first video and audio statements about the scandalous video that she brings together with Khaled Youssef.Farouk detonated several surprises, on the sidelines of her summons to the Egyptian prosecution, that Khalid Youssef was a friend of her father years ago, when she was a young age, and then collected a love relationship with him when she grew up, and married him in secret with the knowledge of her parents and her father and brother because his social status was not allowed to declare marriage .Muna Farouk revealed that the video was filmed in a drunken state. She and her colleague Shima al-Hajj said that on the same day the video was filmed, she was at odds with Shima, and Khaled Yusuf repaired them and then drank alcohol.She confirmed that Youssef was the one who filmed the clips whil

الحلقة 20 هنادي المطلقة والمحلل (ماذا قال كتاب العرب في هنادي)-----------Khalid Babiker

• الجنس شعور فوضوي يتحكم في الذات والعقل . وله قوة ذاتية لا تتصالح إلا مع نفسها . هكذا قال أنصار المحلل الحلقة 20 هنادي المطلقة والمحلل (ماذا قال كتاب العرب في هنادي) أول طريق عبره الإنسان هو طريق الذكر . بعدها شهق وصرخ . تمرغ في الزيت المقدس . وجرب نشوة الأرغوس . عاجلا أم آجلا سيبحث عن هذا الطريق ( كالأسماك تعود إلى أرض ميلادها لتبيض وتموت ) . وسيعبره . سيعبره بحثا عن الديمومة . وسيشهق وسيضحك . لقد جاء إليه غريبا . سيظل بين جدرانه الدافئة غريبا . وحالما يدفع تلك الكائنات الحية الصغيرة المضطربة في الهاوية الملعونة سيخرج فقيرا مدحورا يشعر بخيانة ما ( ..... ) . لن ينسى الإنسان أبدا طريق الذكر الذي عبره في البدء . سيتذكره ليس بالذاكرة وإنما بالذكر . سيعود إليه بعد البلوغ أكثر شوقا وتولعا . ولن يدخل فيه بجميع بدنه كما فعل في تلك السنوات التي مضت وإنما سيدخل برأسه . بعد ذلك سيندفع غير مبال بالخطر والفضيحة والقانون والدين . الله هناك خلف الأشياء الصغيرة . خلف كل شهقة . كل صرخة مندفعا في الظلام كالثور في قاعة المسلخ . الله لا يوجد في الأشياء الكبيرة . في الشرانق . في المح . ينشق فمه . تن

Trusting Liar (#5) Leave a reply

Trusting Liar (#5) Leave a reply Gertruida is the first to recover.  “Klasie… ?” “Ag drop the pretence, Gertruida. You all call me ‘Liar’ behind my back, so why stop now? Might as well be on the same page, yes?” Liar’s face is flushed with anger; the muscles in his thin neck prominently bulging. “That diamond belongs to me. Hand it over.” “What are you doing? Put away the gun…” “No! This…,” Liar sweeps his one hand towards the horizon, “…is my place.  Mine!   I earned it! And you…you have no right to be here!” “Listen, Liar, we’re not the enemy. Whoever is looking for you with the aeroplane and the chopper….well, it isn’t us. In fact, we were worried about you and that’s why we followed you. We’re here to help, man!” Vetfaan’s voice is pleading as he takes a step closer to the distraught man. “Now, put down the gun and let’s chat about all this.” Liar hesitates, taken aback after clearly being convinced that the group  had hostile intentions. “I…I’m not sure I believe