Skip to main content

اللغة والمنفى: أسماء الشجرة.------------ لـِ الكاتب الروائي /عبدالعزيز بركة ساكن.

اللغة والمنفى: أسماء الشجرة.
"ثلاث سنوات في المنفى، ألف عامِِ من الغربةِ، وخراب الذاكرة، وتفسخ اللغة بحساب الروح!."
لـِ الكاتب الروائي /عبدالعزيز بركة ساكن.ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏‏‏جلوس‏، و‏‏قبعة‏، و‏لحية‏‏‏ و‏نظارة شمسية‏‏‏‏
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للإنسانِ وطن واحد، وهو المكان الذي نشأ فيه، غيره ليس سوى مَنافِِ مهما كانت جميلة وخيّرة وآمنة، للإنسان لغة واحدة وهي لغته الأم غيرها ليس سوى غربة، مهما أجادها وأحبها وعايشها تظل هشة ومنغلقة ومربكة ولا تعطي نفسها. وهذا لا ينفي أن يكتسب الإنسان هُويّات كثيرة في مسيرة حياته الطويلة الممتدة إلى ما لا نهاية، تتقاطع وتتوازى وتحترب الهُويّات في ذاته، مثلما لك أمّ واحدة أنت أيضًا واحداً وستظل واحداً للأبد في تعدد هُوياتك وحيرتك ويقينك الممسوخ!.
أزمتي الأم هي اللغة، وهي دائماََ ما تفضحني، لغة الأشياء كلها: الشوارع، والمعمار، والأشجار، والأزقة، والطيور، والجعارين، والسحالي، لغة العمل لغة الفصول والزمن لغة الديانات والمعارف الأكاديمية لغات الروح ولغات الإنسان ولغات الجسد العصية. عندما أمرّ بشارع ما، ويتحدث إليّ الطريق كعادته، ولكنني أظل غبيًّا متبلداََ، لا أستطيع أن أفهم لغته ولو أنني أسمع صوته، ولأنني لا أعرف معادلة بناء لغته ولا موسيقى كلماته:
متى أنشئ أول مرة هذا الطريق، من هو أول من مشى به، وكيف كانت هيئته الأولى، هل كانت هنالك غابة تم بترها، هل كان يمر على شاطئ نُهير ما ابتلعته الأمكنة والأزمنة، شربته نوائب الدهر، أو لحسته الشمس، هل كانت ترتاده الأرانب أم الثعالب أم الضباع، هل بنت على أرضه الطيور أعشاشها، وحلقت فوقه النسور، من الذي أطلق عليه هذا الاسم، إلى أين يقود، ومتى ينتهي في أي بيت أم نهر أم بحر؟؟
في مدينتي أعرف كل تلك الإجابات، وبالتالي أعرف لغة الطريق، وسنتبادل الحوارات، ونختصم، ونلعب أيضًا، وأستطيع أن أختبئ في أحد أزقته إذا داهمني خطر أو مطر أو حنين. أزقته التي سوف يهمس بها إليّ في أذني، بلغتنا التي نعرفها.
عندما أشاهد معماراََ في هذه المدائن، قد أعرف أنه غوطي أو إليزابيثي أو روماني أو لأي عصر ينتمي، ولكنه عندما يتحدث إليّ فإنني لا أستطيع أن أراه؛ لأنه يتلاشى في الريح أم ينمسخ في لغاته، أو يصبح شبحاً لا مكان له ولا لون ولا رائحة أو روح له، شبحاً عظيماً يختفي في عدم الأشياء واللغة، فالعلاقة المكانية التي كانت ستشكل مقعداً جميلاً للحوار لا توجد بيننا الآن، إنه جدار اللغة:
من ومتى وكيف وأين ولم ولماذا وبمَ وفيمَ؟
المكان الذي لا ينتمي إليك لا تجيد لغته، ولا يمكنك أن تنتمي إليه. وإلا تعبر مثل سائح في يدك خارطة وفي أذنك ترجمان وفي فمك أسئلة عصيّة صماء.
عندما أتحدث مع أحد أصدقائي بلغته، فإنني لا أتردد في استخدام كلمات كثيرة من لغتي الأم، نعم قد أفعلها بدون وعي ولكنني بالتأكيد في لا وعي أريد أن أتحدث إليه باللغة التي يمكنه أن يراني بها، وإلا أصبحنا كشبحين، عندما أريد أن أكون مفهوماً مثلما هو عبر لغته، عليّ أيضًا أن أحدثه عن بلدي وأرضي وشعوبي وحيواناتي وثعابيني، وأن أقول له:
ما هي أسماء الشجرة!.
الآن يبدو واضحاً جداً لماذا يحتفظ المنفيون والغرباء في بيوتهم بزيهم القومي، لماذا يصرون على أكل أطعمتهم الوطنية وهم في أقاصي الأرض، لماذا يصرون على الاحتفاظ بأسمائهم بل أن يطلقوا أسماء لأبنائهم الذين ولدوا في المنفى نفس أسماء أمكنتهم الأم!.
فالمسألة ليست إغراقاً في التغريب وإمعانًا في القطيعة، بل هي محاولة للتحاور مع المكان والإنسان الجديدين في بلاد المهجر، هي محاولة أكثر إمعاناً للظهور والانسجام، هي محاولة للحب والمشاركة. إنهم يرغبون في أن يراهم الآخر أكثر وضوحًا، أن يعرف علاماتهم ويقرأهم جيدًا، فإنها مسألة لغة، أي أشكال ترميز بحت. فالغريب شخص لا يمكن رؤيته إلا بفك شفرات لغته.
هذه البلاد التي أقيم فيها الآن، تلك البلاد الجميلة التي يأتي إليها السائحون من كل بقاع الأرض، وهم مصدر دخلها الأساسي، البلاد التي قدمت لي الأمن والسلام والظل، لم تستطع أن تقدم لي مفتاح لغتها، ولن تستطيع ذلك، ولا أستطيع أن أتحمل أنا أيضاً ذلك، فاللغة شاسعة وتحتاج لميلاد جديد على الأرض مباشرة، تحتاج لنشأة قد تستمر إلى ما لا نهاية، فالذين يعرفون اللغة تراوح أعمارهم ما بين اليوم الأول لنشأة الكون، وهذه اللحظة التي نعيشها هنا والآن، فاللغة لا تُعلم ولا تُدرس، وإذا مضى قطارها فلا مُدرك له، فعندما تنمو الشجرة فإنها تسجل لغتها يومًا بيوم في طبقات حياتها، فهي تقرأ ما حولها بعينين مبصرتين وبقلب عارف، كما لا يستطيع أن يعود النهر إلى مصبه، لا يمكننا قراءة الشجرة في لحظتنا هذه، ولا يمكن إضافة تاريخنا الحالي إلى اليوم الأول في سجلها، هل سنكتفي بحوار الطرشان؟
المنفى بيتٌ في العراء، وقطعٌ للغة، ومسخٌ للمكان في الروح، وجُرح في الذاكرة، المنفى أن لا تكون لك صلة بِك، وتظل مثل الثعبان الذي يبتلع نفسه: يبدأ ذلك عادة بالذيل!.
هل قلت: هذه البلاد جميلة؟ ولكنني لا أعرف أنها جميلة، طالما لم تتكلم إليّ، لم تقل لي طيورها ذلك، لم تهمس لي شجيراتها ونساؤها وأطفالها بسر الكلام!!.
أن تعرف لغة الأشياء يعني ذلك أنك في المكان الصحيح، وإذا ناديت بصوت حقيقي وجميل فإن أمك ستجيب النداء، ولو كانت في قبرها الذي في السماء، أما إذا كانت في حجرتها أو في بيت صحيباتها، فإنك تستطيع أن تطعم مما صنعته يدها في ظُهر هذا اليوم!
من يقول: إن الإنسان كائن عالمي لا يعني بالطبع أن تنمو شجرة الطلح في قمة الألب، ولا أن تعيش الحيتان في نهر النيل. إن ذلك يعني ببساطة قيم الخير والجمال والشر أيضاً، وهي القاسم المشترك بيننا وبين الآخر، وذلك ما بعد الأيديولوجيا والديانات، قيم الخير والشر التي تخص البقاء، ما يدركه الحيوان والنبات والإنسان من أجل أن يبقى:
لغة الصمت.
لديّ أصدقاء كثر، ولديّ مكانٌ محشوٌّ بذاكرتي، وطفلان وزوجة، وفيه مطعم تشم منه عبق:
الكول والمصران والويكة وأم تكشو، به الدوم والصمغ العربي والكركدي والمرس واللوبة البيضاء، إنني أحاول أن أكون واضحاً ومقروءاً للآخر. بمكتبتي: تاريخ السودان الحديث، وكتب الأستاذ محمود محمد طه وشيخي محمد محمود، وتقريباً صف كامل من تحقيقات الأدب العماني حديثاً وقديماً وليلى البلوشي، وألف ليلة وليلة بالألمانية والعربية، وعابد الجابري، وإبراهيم إسحاق، ومنصور الصويم، ونميري مجاور، وفي بيتي كتاب الطواسين للحلاج، وجلباب وعَرَّاقِي ومركوب سوداني، وعلى سطح الكمبيوتر يُوجد الفيسبوك: إذًن في بيتي لغتي. ثلاث سنوات مما يعدون في المنفى، ألف عام من الغربة، وخراب الذاكرة، وتفسخ اللغة بحساب الروح!."
- عبدالعزيز بركة ساكن -
* المصدر / مجلة الفيصل.

Comments

Popular posts from this blog

Mona Farouk reveals scenes of "scandalous video"Egyptian actress Mona Farouk appeared on

Mona Farouk reveals scenes of "scandalous video"Egyptian actress Mona Farouk appeared on Monday in a video clip to discuss the details of the case she is currently facing. She recorded the first video and audio statements about the scandalous video that she brings together with Khaled Youssef.Farouk detonated several surprises, on the sidelines of her summons to the Egyptian prosecution, that Khalid Youssef was a friend of her father years ago, when she was a young age, and then collected a love relationship with him when she grew up, and married him in secret with the knowledge of her parents and her father and brother because his social status was not allowed to declare marriage .Muna Farouk revealed that the video was filmed in a drunken state. She and her colleague Shima al-Hajj said that on the same day the video was filmed, she was at odds with Shima, and Khaled Yusuf repaired them and then drank alcohol.She confirmed that Youssef was the one who filmed the clips whil

الحلقة 20 هنادي المطلقة والمحلل (ماذا قال كتاب العرب في هنادي)-----------Khalid Babiker

• الجنس شعور فوضوي يتحكم في الذات والعقل . وله قوة ذاتية لا تتصالح إلا مع نفسها . هكذا قال أنصار المحلل الحلقة 20 هنادي المطلقة والمحلل (ماذا قال كتاب العرب في هنادي) أول طريق عبره الإنسان هو طريق الذكر . بعدها شهق وصرخ . تمرغ في الزيت المقدس . وجرب نشوة الأرغوس . عاجلا أم آجلا سيبحث عن هذا الطريق ( كالأسماك تعود إلى أرض ميلادها لتبيض وتموت ) . وسيعبره . سيعبره بحثا عن الديمومة . وسيشهق وسيضحك . لقد جاء إليه غريبا . سيظل بين جدرانه الدافئة غريبا . وحالما يدفع تلك الكائنات الحية الصغيرة المضطربة في الهاوية الملعونة سيخرج فقيرا مدحورا يشعر بخيانة ما ( ..... ) . لن ينسى الإنسان أبدا طريق الذكر الذي عبره في البدء . سيتذكره ليس بالذاكرة وإنما بالذكر . سيعود إليه بعد البلوغ أكثر شوقا وتولعا . ولن يدخل فيه بجميع بدنه كما فعل في تلك السنوات التي مضت وإنما سيدخل برأسه . بعد ذلك سيندفع غير مبال بالخطر والفضيحة والقانون والدين . الله هناك خلف الأشياء الصغيرة . خلف كل شهقة . كل صرخة مندفعا في الظلام كالثور في قاعة المسلخ . الله لا يوجد في الأشياء الكبيرة . في الشرانق . في المح . ينشق فمه . تن

Trusting Liar (#5) Leave a reply

Trusting Liar (#5) Leave a reply Gertruida is the first to recover.  “Klasie… ?” “Ag drop the pretence, Gertruida. You all call me ‘Liar’ behind my back, so why stop now? Might as well be on the same page, yes?” Liar’s face is flushed with anger; the muscles in his thin neck prominently bulging. “That diamond belongs to me. Hand it over.” “What are you doing? Put away the gun…” “No! This…,” Liar sweeps his one hand towards the horizon, “…is my place.  Mine!   I earned it! And you…you have no right to be here!” “Listen, Liar, we’re not the enemy. Whoever is looking for you with the aeroplane and the chopper….well, it isn’t us. In fact, we were worried about you and that’s why we followed you. We’re here to help, man!” Vetfaan’s voice is pleading as he takes a step closer to the distraught man. “Now, put down the gun and let’s chat about all this.” Liar hesitates, taken aback after clearly being convinced that the group  had hostile intentions. “I…I’m not sure I believe