Skip to main content

الدكتورة اشراقة مصطفى حامد------وجهها .. وجهي



الدكتورة اشراقة مصطفى حامد------وجهها .. وجهي:
كان شتاءُ «فيَنّا» قاسياً في العام 2007، منحتُ ساقي الدروبَ الثلجية وكل مواجع الدنيا احتضنتني ولا مفر.. وحدي ولست وحيدة!
توقفت عن العمل. ما تمنحه الدولة لا يكفي.. لا يكفي أبداً في ظل كل هذه المتاهات، وأمي مشلولة.. وقلبي بلا بلبل، حالات يأس واكتئاب تطل برأسه.. ومشيت على طول الشارع.. مشيت خارجة من مكتب حكومي، حيث أخرجت قلبي للتشريح، شظايا مرايا.
حال دمعاتها التي انهمرت صباح ذلك اليوم وغسلتْ بها شارع «ماريا هيلفا» الأنيق، جعلتني أقف أمامها وأمدد لها منديلاً ورقياً معطراً بسيرة تجارب الخذلان.. ابتسم حزن الأرض كله على وجهها المعطون في الألم.. قلت لها: «ما رأيك في أن نجلس قليلاً على ذلك المقهى.. في الطابق الأول يمكنكِ أن تبكي كثيراً». نظرتُ في عينيها وبكيت.. بكيتُ أكثر حين تجرعت مرارة الخذلان؛ الذي يملأها من قمة الألم إلى أخمص الفجيعة.. بكيت.. كانت تكرّر كلمة واحدة فقط: الخذلان. وكلما قالتها بكت بحرقة، ثم حكت لي وكأنها تعرفني، حكت لي في ساعة من الزمن كل شيء، وحين هدأ أوار نحيبها، ودّعتُها وغصة ملأت حلقي ومسامي.. احتضنتُها مودّعة، وقالت لها دمعة صلدة وقفت بيني وبيني: «لا تخذلي نفسك.. لا ننسى مرارة الخذلان بسهولة»، ولكن قبل أن أمضي سألتني: «لماذا فعلتِ هذا وأنت لا تعرفيني؟»..
لأني كثيراً ما تمنيت أن يسألني أحدٌ عن طعم الملح.. عن سرّ دمعاتي، عن سرّ الشمع.. فهل أجابتها حشود الدمع على وجهي، راسماً خرائط لدروب مَن خذلوني..
ومضينا كلٌّ في طريقها، ولم تسألني عن اسمي ولم أفعل.. فليس هناك أسمى من طعم القهوة الممزوج بدمعاتها، ورغوة الحزن وحدها لا تذهب جفاءً. طيلة اليوم كنت أفكر فيها وفي الألم الذي انفجر منها.. انفجر معه صداع فتكَ بكل ساعات النهار، ولم ينحلّ عني إلّا بحل غيمات البكاء. رافقتني صورتها وكأنها تعكس صورتي؛ حين يربط اليأس أيام البحث عن عمل، عن الإحساس المتمكن من العمر رملاً ينسرب بين أصابع اليد الواجفة.
القطط التي أولدتها الدنيا على بدني لم تجد حليب الأمل، الذي يهدهد عطشي في بحثي عن ديمومة غيمٍ لاح ذات صهد في صحرائي.. أيامي كلها صهد، ناديتُ الغيم فما تبع جشع الصيف المترامي من خلفنا وأمامنا وخيراً فعل. يطل برأسه الثعباني متحسساً أصابعي الخمس التي انفكت عن منابع حلمها، عن منابع نيلها وغناويها ومدائح الليل.
لو ظل يباسي مبتلّاً بغيمة فاجأتني بحنان المطر القديم لاشتعلت غاباتُ الروح بطبول الطاقات، لو تُفتَح للأمل أبوابٌ.. أبوابٌ من بعدها أبواب لا تقود في نهايتها إلّا إلى سراب ما حسبته يوماً بقيعة. مثل الصحراء قنوعة بصيفها وصهدها وعطشي الأزلي.
وجهي مُصفَرٌّ هذه المرَّة، خرجتْ من جوفي وعولٌ وذئاب ولا أثر للدم الحار الذي يسري في عروق ليلي فتنتشي فيّ الحياة. مشيت كعادتي حين تهاجمني وحدتي التي لا أجد فيها ذاتي، منتهى اليأس ألّا أجدها في كل أيام التوهان والإحساس المتناهي بالفقد والخذلان. لستُ فرعاً في شجرة لتقصم حياتي العاصفة.. شجرةٌ والأشجار كلها تعرفني؛ ما احترق منها وما تبقى، وهذه السيسبانة الشاهقة وتلك التبلّدية المتيقنة.
كثيراً ما هاجمني اليأس، كثيراً ما داهمني الحزن المقيم- لا أكرم منه التقيتُ! لم تزعجني إقامته عكس ما يزعجني عدم قدرتي لتحويله لطاقات إيجابية، منتهى اليأس إذن. أسرعت في خطوي ودوائر حميمة تحاصرني ولا أملك من أمري شيئاً وكل الأبواب مغلقة، كلها بلا رحمة. وقْع الأقدام الوحيدة تعلن هزيمتي و»وقع الأقدام الخشنة» تؤكد فرضية العلاقة ما بين الانقلابات العسكرية والانقلابات العاطفية.
خطوة بخطوة نعبر هذا الدرب الطويل
......
أسمع صوت خطوة واحدة
وحلم وحيد
ونخلة تقف فى مفترق الطريق
غضبي زبد البحر، والبحر قاعٌ تسكن فيه روحي.
أردده كما اندفق حبره يوم كتبتُه ذات يأس، اليأس هو أن تُسلَب منك كل طاقاتك، قدراتك، أحلامك، ولا تعرف من أيّ خرم إبرة يأتيك اليقين.
تقطع حبلَ تفكيري السلبي امرأةٌ طاعنة فى السن، أقصد الخبرات كما بدت لي. تحمل باقة زهور الخزامى، بيني وبينها عبر رجل طاعنٌ في إفقاره، في إفقاري.. بدا لي من افغانستان، إيران أو تركيا -غير مهم- المهم هو أن قواسمنا الحزينة تشدو في شوارع المدينة الفاتنة.
أدخلتُ أناملي التي انفكت عن مفاصل لوعتها فى جيوبي الفارغة ونفخت بهواء حار رغم البرد، انشرحتْ أسارير الأمل وانكمش اليأس، لقد وجدتُ سبعين سنتاً في جيبي، وبها يمكن أن يشتري هذا الطاعن في الفقر وفي السن خبزاً، ولو كانت الدنيا في آخر أيام الشهر حيث يتضامن اليأس مع قانون العمل. يدي امتدت له بهذا المبلغ الذي كان كافياً لنسمة الطاقات، تلك الابتسامة والكلمات التي كان يقولها شاكراً لم أفهمها، ولكني أحسستها ببريق عينيه حين لمست وجهي بأصابع جدي، حين أنهكتني الحمّى وليس الجوع ذات طفولة.. هل هناك مَن يجوع في «فيَنّا»؟ ما هو الجوع؟ حتى في انهيار الطبقة الوسطى في بلد النيلَين لم أحس بالجوع، كان لدينا ما نأكله قانعين حامدين قبل أن يأتي إلينا آل «نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع»!
كان وجه أمي راضياً بالضيوف -من النساء والأطفال وبعض الرجال- الذين تأتي بهم من سكة الحديد، لانقطاع سبل مواصلة المسير إلى غرب البلاد حين يعصف المطر بالمكان.. بكل فرح تجتهد أمي لإشعال الحطب المبلول والضيفات يفتحن الشُّنَط الحديدية، ويقتسمن مع أمي البهارات واللوبيا وكل ما جادت به الحياة. الجوع في زمن «نأكل مما نزرع»، الجوع الذي حصّنني ضد الجوع في بلدٍ أشجاره رحيمة بالثمر ولكنه الشتاء!
تقطع حاملةُ باقة ورد الخزامى حبالَ حنيني للماضي، وصوتها يرتفع قليلاً؛ مستنكرة أن يقوم أحد بمد يده وأن «فيَنّا» تغيرت كثيراً، وقريباً ستكون مثل العالم «الثالث»، ووجهت كلامها للرجل الطاعن في السن مثلها وفي الحزن مثلي: «يجب عليك أن تعمل بدلاً من أن تجوب الشوارع شحاذاً!».
أسرعتُ في خطواتي حتى صرتُ قريبة من المرأة حاملة ورد الخزامى، والتي أسرعتْ قليلاً في خطواتها. قلتُ بصوت عالٍ: «ماريا.. يا أم يسوع.. وحدك وردة بلا شوك.. يا يسوع أين خبزك الأسمر تمده بيدك المصلوبة على منحوته بالجوار.. هل تعرف أن علينا، نحن -المعذبين في الأرض- أن ندافع عن وجودنا حتى الرمق الأخير؟».
وقفتْ حاملة الورد مدافعة عن فكرتها وما قالته، وأنها لم تفكر في أن تؤذي أحداً.. ثم اعتذرت بلطف جعلَ ورد الخزامى يفوح ويملأ المكان برائحة الإنسان حين يكون عبقاً بالإنسانية. مدحتْ لغتي وقالت إني أتحدث بشكل سلس..
مع ذلك لا أجد حتى الآن عملاً يناسب مؤهلاتي! اتسعت عيناها دهشة، حين عرفتْ أني أنجزت دراساتي العليا هنا، وأني درستُ ببلدي، وأن النساء هناك في إفريقيا لهن صور مختلفة عن المشاعة هنا. أقابل بعضهن على امتداد شارع «تاليه»، أعرف دروبنا المشتركة فقراً تلو فقر.
الفقر فى اللغة الألمانية مؤنث؟ تأنيث سياسات الفقر.. مَن يصنع الفقر؟ يوجد ما يكفي في العالم من ثروة ولكن كيف توزَّع؟ تتكدس رؤوس الأموال ويجوب هذا الرجل القادم من بلاد جبلية -قال لي إنه من افغانستان- قبل أن يمضي في حال سبيله طالباً الرحمة.
أبواب حميمة أشرعت للتواصل الإنساني درباً. سألتني حاملةُ الورد الخزامى أن نشرب كوب قهوة على فضاء هذا الحوار معاً. لم أمانع وذهبنا إلى مقهى «آيده»، وهناك حكت لي حكايات تضعها معنا في الدروب نفسها، دروب الإنسانية. مات زوجها ومنذ ذلك الحين وهي وحيدة ويأتي ابنها وابنتها من بلاد مجاورة في أعياد «الكريسماس». حكينا عن العمر، فهي رغم السنوات الإحدى والسبعين ما زالت تضج بالحياة، وإن كان الحزن يكسو عينيها قليلاً.
الخزامى جميل ويقال إنه هدية الله لعباده في الأرض، يذكّرنا بالجنة التي تتطلب صالح الأعمال.. ضحكتْ وانشرحتْ في الحكي عن زوجها الراحل الذي كان يحب هذه الورود، وهي منذ رحيله تحرص عليها وتسقيها بماء الذكريات. مرت ساعة من الزمان وكانت الحدود محض وهم. لا حدود! إذن لماذا لا تشرَع كل الأبواب والبحار والمطارات؟ سيكون مهرجان للإنسانية في أعظم تجلياتها.. ابتسمتْ ومدت يدها لي قائلة: كاترينا.. اسمي كاترينا..
اتسعت ابتسامتي، فاضت روح اليأس وتبقّى الحزن حزيناً.. مددتُ لها يدي الباردة: إشراقة..
- مَن؟ إشراقة..
إشراكة... ردّدت كاترينا..
لا.. إشراقة.. فلتكن «إشراكة» لا يهم... المهم أن الشمس تشرق كل يوم، وهذا معنى اسمي.
لا يهم إن تحول حرف «القاف» في اسمي لـ «كاف» أو لـ «كفّ» على خدِّ أيامي.
حاملة الورد انتزعتني من إحساس اليأس؛ والوحدة التي فاضت في صقيعة الروح تنتح كل نبضاتي بالوجع، بالبكاء المخنوق، بالخذلان الذي لا كلمات تصفه. ووسط الرماد الذي انهال عليَّ عاودني صدى أغنية بعيدة يلامس شغاف روحي (ليه بنهرب من مصيرنا).. كنت أنهارُ، أنهارُ تماماً... ما الفرق بين الانهيار والأنهار؟ ولم يُخرجني من تلك الحالة سوى النبتة التي بزغت من جوف الأحجار.. اليأس رفيقٌ يهزمه وردُ الخزامى.
=============
(فصل من «الدانوب يعرفني.. الوجه الآخر لسيرة الأنهار»)
الصورة من تصوير طلال عفيف.ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص أو أكثر‏‏

Comments

Popular posts from this blog

Mona Farouk reveals scenes of "scandalous video"Egyptian actress Mona Farouk appeared on

Mona Farouk reveals scenes of "scandalous video"Egyptian actress Mona Farouk appeared on Monday in a video clip to discuss the details of the case she is currently facing. She recorded the first video and audio statements about the scandalous video that she brings together with Khaled Youssef.Farouk detonated several surprises, on the sidelines of her summons to the Egyptian prosecution, that Khalid Youssef was a friend of her father years ago, when she was a young age, and then collected a love relationship with him when she grew up, and married him in secret with the knowledge of her parents and her father and brother because his social status was not allowed to declare marriage .Muna Farouk revealed that the video was filmed in a drunken state. She and her colleague Shima al-Hajj said that on the same day the video was filmed, she was at odds with Shima, and Khaled Yusuf repaired them and then drank alcohol.She confirmed that Youssef was the one who filmed the clips whil...

الحلقة 20 هنادي المطلقة والمحلل (ماذا قال كتاب العرب في هنادي)-----------Khalid Babiker

• الجنس شعور فوضوي يتحكم في الذات والعقل . وله قوة ذاتية لا تتصالح إلا مع نفسها . هكذا قال أنصار المحلل الحلقة 20 هنادي المطلقة والمحلل (ماذا قال كتاب العرب في هنادي) أول طريق عبره الإنسان هو طريق الذكر . بعدها شهق وصرخ . تمرغ في الزيت المقدس . وجرب نشوة الأرغوس . عاجلا أم آجلا سيبحث عن هذا الطريق ( كالأسماك تعود إلى أرض ميلادها لتبيض وتموت ) . وسيعبره . سيعبره بحثا عن الديمومة . وسيشهق وسيضحك . لقد جاء إليه غريبا . سيظل بين جدرانه الدافئة غريبا . وحالما يدفع تلك الكائنات الحية الصغيرة المضطربة في الهاوية الملعونة سيخرج فقيرا مدحورا يشعر بخيانة ما ( ..... ) . لن ينسى الإنسان أبدا طريق الذكر الذي عبره في البدء . سيتذكره ليس بالذاكرة وإنما بالذكر . سيعود إليه بعد البلوغ أكثر شوقا وتولعا . ولن يدخل فيه بجميع بدنه كما فعل في تلك السنوات التي مضت وإنما سيدخل برأسه . بعد ذلك سيندفع غير مبال بالخطر والفضيحة والقانون والدين . الله هناك خلف الأشياء الصغيرة . خلف كل شهقة . كل صرخة مندفعا في الظلام كالثور في قاعة المسلخ . الله لا يوجد في الأشياء الكبيرة . في الشرانق . في المح . ينشق فمه . تن...

Trusting Liar (#5) Leave a reply

Trusting Liar (#5) Leave a reply Gertruida is the first to recover.  “Klasie… ?” “Ag drop the pretence, Gertruida. You all call me ‘Liar’ behind my back, so why stop now? Might as well be on the same page, yes?” Liar’s face is flushed with anger; the muscles in his thin neck prominently bulging. “That diamond belongs to me. Hand it over.” “What are you doing? Put away the gun…” “No! This…,” Liar sweeps his one hand towards the horizon, “…is my place.  Mine!   I earned it! And you…you have no right to be here!” “Listen, Liar, we’re not the enemy. Whoever is looking for you with the aeroplane and the chopper….well, it isn’t us. In fact, we were worried about you and that’s why we followed you. We’re here to help, man!” Vetfaan’s voice is pleading as he takes a step closer to the distraught man. “Now, put down the gun and let’s chat about all this.” Liar hesitates, taken aback after clearly being convinced that the group  had hostile intentions. “I…I’m ...