الجمعة، 13 أكتوبر 2017

"جرداق للمطر": ميلادها في ظهيرة ندية العيون بنيالا------د.عبد الله علي إبراهيم

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏2‏ شخصان‏، و‏‏‏لحية‏ و‏نظارة‏‏‏‏
"جرداق للمطر": ميلادها في ظهيرة ندية العيون بنيالا
عبد الله علي إبراهيم
كنت من شهود الظهيرة "ندية العيون" التي صورها علي عبد القيوم
بعبارات استثنائية في قصيدته "جرداق للمطر". بل كنت في المجلس الذي ربما علم علي منه أول ما علم ب"جرداق" التي جعلها عنواناً للقصيدة.
كنت عند مشهد ميلاد القصيدة في رحلة لجمعية الثقافة الوطنية بجامعة الخرطوم لنيالا في نحو أبريل 1965. والجمعية ذراع من أذرع الجبهة الديمقراطية. وكنا صحبة أذكر منها علي عبد القيوم والمرحوم محمد عبد الحي، وجلال الطيب، ومحمد فائق وسهوت عن آخر. وكنا أردنا من الرحلة التعرف على ضروب الثقافة في جنوب دارفور. والتقط علي كلمة "جرداق"، الذي هو جنس غناء دارفوري، من لقاءاتنا الباكرة مع أهل الاختصاص. ونزلنا في منزل من بيوت المجلس الريفي بنيالا مفتوح على السوق. وجاءنا يوماً من نقل لنا خبر فوز الشيوعيين بغالب دوائر الخريجين. ولربما لم يصدق ليومه أن يلقى خبره منا تلك البهجة العريضة لا تستثني أحدا.
كانت ظهيرة يوم حين جلدت الأمطار نيالا. دخلت علينا امرأة شيخة استأذنتنا بأن تحتمي بمضيفتنا حتى تكف السماء مدرارها. وما كفت حتى تأهبت العجوز لمواصلة مشوارها ولكن ليس قبل أن تقول: "أرقدوا عافية". وهي دعوة توقف عندها الدكتور حسن بلة الأمين في كتابه "أطباء السودان الحفاة". ففرق فيه بين الصحة كخلو من المرض والعافية وهي الصحة كأمن بدني ونفسي وحياتي. وضرب من كلام الله تعالى مثلاً: "لم يؤت أحد بعد اليقين خيراً من العافية". وقال د. حسن إن دعاء السودانيين لبعضهم بالعافية لأبعد شأو من الثورة الصحية. إنه أمن أوسع نطاقاً.
وخرجنا بعد المطر نتكرف ابتلال المدينة بالقطر الرباني. ووقفنا عند الباب. جف الماء تشربته "فوهة الرمال". وأخذنا ننظر إلى سوق بدا لي أنه سوق نساء من رواكيب. وتخطر لي إلى يومي هذا هدومهن المشرورة بأعالي الرواكيب:
وانتشرت ثياب العاملات في الأسواق
كالشباك
تصطاد كل نسمة وكل وهجة شمسية
تشعب بنا خطاب المركز والهامش. بل ضل بنا حين لم ير الهامش ناشطو الهامش من المركز سوى ما جاءت رشاقة اللغة عند علي:
وهذه الخرطوم، ـ بنت دار الصبح.
لصة الذراع
وبنو استراتيجيتهم على عمليات "الذراع الطويل" يريدون احتلال بنت دار الصبح هذه. وما قضوا منها وطراً لأنهم لم يتواضعوا أمام الحكمة القائلة: "البلد بشقوها بولدها". وولدها هو القوى السودانية المدينية الحية التي "تبينت" في الحركة الوطنية والنقابية وفي أكتوبر 1964 وأبريل 1985. فاستبخس ثوريو الجبل ثوريّ السهل وأحالوهم للاستيداع فرحاً بالسلاح. والأدهى أن طاقم السهل في الخرطوم، لصة الذراع، الذي منتهى خبرته تنظيم قوى المدينة وتثويرها، قبل بكسل عجيب أن يعمل مستكيناً تحت ظل بندقية الهامش وبوعودها الجريئة المرتدة. وصارت رحلاتهم إلى تخوم الهامش في التحالفات والمؤتمرات حيلة عجز.
واستغشوا عن قول علي:
لكنما ربيعنا ... ربيعكم
لو تبغضونه، يجيئكم
مزدهر الكفين، راقص الشهاب
بعد الخريف الواعد السحاب
لأن لصوصية الخرطوم، التي تسرق نداوة رذاذ تلك الظهيرة الندية، قد عرّفها الشاعر طبقياً. فمتى سرقت الخرطوم رذاذ تلك الظهيرة استقرت:
في بيوت السادة الكبار
بعد الخريف، ذهباً وجلنار
ومركبات حافلات بالعوين والخدم.
وعين الشاعر "طلائع الصباح" فانوس الحقيقة:
ونميط عن زيف الغموض خمارها
يا علي المعلى.
صورة لشخصي وعبد الحي وجلال الطيب في قطار الرحلة إلى نيالا، 1965