في العام 1980 نحت ميشال اسبان مصطلح « التحول الثقافي» ليصبح واحداً من المقاربات التأسيسية العابرة للقوميات. يهتم بحثه بالترّكيز أساساً على تاريخ الترجمة وتداول المعرفة بين فرنسا وألمانيا في القرن التاسع عشر. ويقود حالياً واحدا من مختبرات البحث في المدرسة الوطنية العليا « باريس» والمركز الوطني للابحاث الاجتماعية في فرنسا.
إن الدراسات المقارنة تعّد بمثابة منطقة مقاربة و مقارنة بين موضوعين تطورا بفاعلية في القرن التاسع عشر،وبصفة خاصة في العلوم الطبيعية ومن ثمَّ اللغويات. وأصبح علم اللغويات المقارنة نموذج المنهج المقارن لكل من العلوم الاجتماعية والانثروبولوجية التي تهدف إلى خلق «علم نحو» من السلوك الانساني. فمن الوجهة التأريخية، فإن الاهتمام بالدراسات المقارنة شاعّ بشكل واضح في منتصف القرن العشرين، على الرغم من حقيقة أن هيروديت قد مارس المقارنة. يقترح مناصرو الانتقال الثقافي وضع الدراسات المقارنة كبحث حول الاختلافات والتشابهات بدراستها على شكل مزيج من الثقافة والتدَّاخل المتبادل والتهجين.
يستعرض اسبان ضمن إطار التحول الثقافي إعادة التفكير في العلاقة بين المركز والهامش والمجموعات القادمة والخارجة والعلاقة بين التأثير والسلطة. وبرأيه فإن هذا مهم بصفة خاصة لفهم تاريخ الكولونيالية كعملية ممتدة ذات أثر متبادل أكثر منها قهر من طرف واحد؛ فالمصطلحات المستخدمة بواسطة الباحثين لم تكن محايدَّة. وبالسؤال حول كيفية تأثير فرنسا على فيتنام وانجلترا على بورما وبهذا نضع إطار تأويلياً صلباً. وبوجهة نظر اسبان فإن هذا التأثير دائماً ما يكون من الجانبين وعملية ابداعية. لقد أثرت المستعمرات على المدن الكبرى التي تستورد الطعام والأزياء، وأيضاً فإن الثقافة الروحيّة والمادية للمُستعَمرِين قد تغيرت حتماً تحت تأثير الثقافات المحلية.
بقع كل شيء أثناء عملية الانتقال الثقافي والهجرة من موقف ثقافي ما إلى آخر في سياق جديد ويتخذ معنىّ جديدا. فالتبادل الثقافي ليس تداول للموضوعات والأفكار كما هي قائمة، ولكن جهداً حثيثاً لإعادة التأويل، والتفكير وإعادة تفسير الدلالات. فدراسة اللغات على سبيل المثال فمن الوّاضح أن الكلمات والمصطلحات العالمية لديها دلالات ومعانٍ في مختلف اللغات، فكلمة « برجوازي» في اللغة الفرنسية تأخذ ثقلاً زائداً في اللغة الألمانية وأكثر من ذلك في اللغة الروسية. يعتقد اسبان بأن ذلك ضرورياً لدراسة سياقات الجماعات القادمة والخارجة بشكل لاتزامني، كسياقات مختلفة تُحدث في مناطق عدة. ولا تحدث هذه العملية بشكل متزامن في النطاقات الثقافية التي يُحدث فيها التحول الثقافي. وعليه،كانت السياقات الدينية وسلالات الأسر الحاكمة في القرون الوسطى مهمة بينما في مرحلة الحديثة المبكرة أصبح البعد القومي له دور أساسي.
إنَّ واحدة من النقاط المهمة في بحث التحول الثقافي والتحول العابر للقوميات الامتناع عن استخدم مفهوم « الدولة» و « الوطن» وبدلا عنهما يقترح اسبان استخدام « مناطق ثقافية» ويؤكد على أن هذا المصطلح شرطي. وعندما نشير إلى التحول الثقافي الفرنسي – الالماني كتبادل بين الثقافة الفرنسية والالمانية، فنفهم بأن هذا لم يحدث بشكل متجانس. فلكل منطقة ثقافتها نتجية للعناصر الثقافية المختلفة، لأن أجزاء من كل منطقة تخضع بشكل أكثر أو أقل إلى تأثير التحول الثقافي. فمثلاً في الامبراطورية الروسية كانت الأراضي البلطيقية مناطق اختراق للتأثير الألماني. فالصالونات البروسية كانت أماكن حيث تخلقت أفكار التنوير و الرومانسية ومن ثمَّ انتشرت في أوربا.
كانت الصالونات الفرنسية في القرن التاسع عشر مثالاً جيداً ومدخلا « للقصص المتعالقة» التي لا تشير الى الثنائية فحسب ولكن للاختراق الثقافي الجمعي والثنائي. فإذا ما أختبر الباحث العلاقات بين مجتمعين فيجب عليه أن يأخذ في الحسبان قنوات الاتصال المتعددة بينهما الي أصداء متبادلة لكل منهما. على سبيل المثال. في دراسة عن التأثير الالماني في القرن التاسع عشر على الأمبراطورية الروسية فمن الأهمية بمكان ليس فقط دراسة أعضاء الاكاديمة الالمانية للعلوم، والتبادل بين الجامعات والباحثين الالمان فحسب ولكن أيضاً من المهم النظر إلى الفنانين الالمان والمعمارين الذين طوروا الثقافية الروسية.
عند دراسة التحول الثقافي، من المهم التعرف على جيوب التبادل والعاملين فيها. فإلى جانب الأراضي البلطيقية المشار إليها، فإن جامعة غوتن كانت أهم موقع دلف منه الأساتذة الألمان إلى روسيا.
تحتل مثل هذه الجيوب ومناطق التحول الثقافي حيزاً كبيراً في تاريخ التحول الثقافي بين المجتمعين أكثر من التأريخ الوطني. فإن العاملين في هذا التحول الثقافي أولئك الأشخاص الذين اسهموا في حركة ونشر المعرفة والموضوعات من منطقة ثقافية إلى أخرى. إنهم كانوا المترجمون، المهاجرون أو الأشخاص الذين جالوا بين البلدان كالاورستقراطية الروسية، أو العلماء الذين تلقوا تعليمهم في الخارج.
يعتقد اسبان بأن أهم استخدام لمفاهيم التحول الثقافي الواعد هو في محاربة المفهوم الوضعي للجماعات والهويات الوطنية، فبالنسبة إليه فان دراسة التحول الثقافي تساعد في فهم اوربا غير المتجانسة لكن في الوقت نفسه يشكل فضاءً ثقافياً مرتبطاً بعدد من «جسور» التحول الثقافي.
—
Comments
Post a Comment