Skip to main content

عبد الله علي إبراهيم:قاض في الجنة

قاض في الجنة: عون شوكت الخصاونة (العقل الرعوي 11)
عبد الله علي إبراهيمربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏
نواصل في هذه الحلقة عن كيف كانت رعوية المسيرية سبباً في خسارتهم منطقة أبيي للدينكا نقوك في محكمة التحكيم الدولية الدائمة بلاهاي عام 2009. وسنعرض لرأي القاضي بالمحكمة عون شوكت الحصاونة الذي اختلف وحده مع حكم المحكمة وكتب "تقرير أقلية" غاية في المتانة. فالرجل تخرج بمادة التاريخ والقانون من جامعة أكسفورد، ثم عمل بالدبلوماسية الأردنية ناظراً على الاتفاقيات الدولية، ثم صار لفترة وجيزة رئيساً للديوان الملكي الأردني لعلو كعب أسرته ونفوذها في الأردن. ثم انتخبته الجمعية العامة للأمم المتحدة قاضياً بمحكمة العدل الدولية. ومن حصائد هذه الخبرات في التعبير كتب رأياً هو بوجه من الوجوه قطعة أدبية نادرة كما سنعرض له في نهاية المقال.
ارتكب الخبراء الذين انتدبتهم المحكمة لدراسة خصومة أبيي والمحكمة عبثاً شرعياً بجعل كلمة الدينكا نقوك هي العليا في أبيي وكلمة المسيرية هي السفلي. ف"قطعوا من رأسهم" مبدأ للحق في الأرض لا أساس له في نظم ملكية البادية السودانية على الأقل. ونظر الخصاونة في المبدأ الذريعة واستهجنه بمهنية قانونية صميمة. فلم ينكر الخبراء والمحكمة أن للمسيرية حقاً قديماً في الأرض.غير أنهم قضوا بأن حقوقهم فيها مع ذلك ثانوية بالنظر إلى أسلوب حياتهم الرعوي (الذي لا يختلف مع ذلك عن نظم حياة النقوك كما سنرى). وعليه انصرفت المحكمة، تأسياً بالخبراء، إلى جعل الدينكا نقكوك أصحاب الحق الأكبر فيها والمسيرية أصحاب حق أصغر. وأعلى الخبراء من مفهوم الحقوق الأكابر والأصاغر حتى جعلوه الفيصل في جعل أبيي ملكاً خالصاً للدينكا نقوك. وقال الخصاونة إنه لم يقطع أحد الشك عما كان هذا المفهوم الأكبر والثانوي لملكية الأرض تقليد متبع في كردفان. وزاد بأنهم لو احتكموا لقانون أفريقي ما لاستخدام الأرض فذلك غير مجد لأن أفريقيا واسعة وقوانين أرضها شتى. فالاحتكام إلى قانون أرض أفريقي جامع مانع فاسد مثل احتكامنا إلى قانون أرض آسيوي مثلاً.
ونظر الخصاونة، مثل ما فعلت المحكمة والخبراء، في نظم الأرض في السودان فلم يجد للمفهوم أثراً. فالحقوق في الأرض، وفي ولاية كردفان بالذات التي هي موطن الخلاف، أجملها القاضي البريطاني هيز في تحكيمه المشهور بين باديتي عرب الكبابيش والهواوير عام 1953 (مجلة السودان للأحكام القضائية 1960). فبعد استماعه للأطراف، وتحري أعراف الأرض، حكم هيز للكبابيش بوصفهم أهل الدار وجعل الهواوير تبعاً لهم. والبينة في الحكم لجماعة بأنها أهل الدار هي بلوغها تلك الدار قبل الآخرين. وغالباً ما تضمن هذا البلوغ حروباً خاضتها الجماعة ضد ساكنين سابقين فأجلتهم منها في ما يسمى ب"ببرد الدار". والأهلية للدار في أوضاع سلطنة دارفور هي تخصيص الأرض لجماعة ما فتصير بذلك صاحبة "حاكورة" في معنى احتكارها لها. فلا يدخلها أحد أو ينتفع منها بغير إذنها وبشروطها. وهي حقوق سيادية لا تقل عن تلك التي للدولة-القومية. فمن بين تلك الحقوق السيادية في كردفان، ناظرين إلى تحكيم القاضي هيز، الحظر على الجماعة المستضافة من حفر بئر واصلة للحجر (سانية) لأن مثل هذا الحافر نوي أن تكون اقامته دائمة. كما يحرم عليه أن يضرب نحاسه (رمز سيادي) في مدى الدار، وعليه دفع ضريبة "الشراية" لأهل الدار عن زرعه.
لم تعرف كردفان مبدأ الحق الثانوي والحق الأولي الذي اصطنعته المحكمة جزافاً. فلم يثبت أن علاقة الأكابر-الأصاغر في الانتفاع بالأرض قد سادت بين المسيرية والدينكا نقوك. فإيان كنينسون، مؤلف "عرب البقارة" الذي هو ثمرة عمل أنثربولجي ميداني بين المسيرية في سنوات آخر الخمسينات، لم يقل بهذه العلاقة. فقد شهد المسيرية والنقوك عند بحر العرب شركاء في الماء والكلأ. وقال كنينسون في شهادته خلال التحكيم: "لم ألاحظ أبداً أن المسيرية استاذنوا النقوك ليأتوا للبحر ولم يروا أنفسهم زواراً له. بل يعد المسييرية المنطقة داراً لهم". وسبقه هاول (1951)، الإداري والأنثربولوجي البريطاني، إلى القول إن المسيرية يعدون تلك المنطقة دارهم. بل استشهد الخصاونة بأفكار أقدم لدوقلاس جونسون، المؤرخ لجنوب السودان وأحد خبراء أبيي المُضرين، للتدليل على أن علاقة الأكابر-الأصاغر لا مكان لها حتى في إعراب نظم الأرض في جنوب السودان الذي منه الدينكا. فخلافاً لجماعات شمال السودان فالجنوب، حسب جونسون، خلو من مفهوم الدار كماشرحناه. فقد جاء في مقال له في 1982 أن حدود الأرض بين الجماعات في الجنوب سلسة. فالحد منطقة إنتقالية تتواشج نظم العيش فيها (زراعي، رعوي) وينسرب واحدها في الآخر. فالحد بينهم ليس منتهى الشيء ولا فاصلاً. وهكذا جاء المحكمون والمحكمة بمبدأ لملكية الأرض لا اصل له في شمال البلاد ولا جنوبها.
ونتوقف هنا عند جهالة ضارة فاشية بين صفوة الرأي عندنا. فقد اتفق لهم جزافاً أن الدينكا جماعة من المزارعين وأن المسيرية سيارة مترحلة. والرحالة حقهم في رجلينهم. وهذه أمية مشهودة بين هذه الصفوة التي يسوقها تجملها أمام الجنوب واسترضاء العقيد قرنق (والكيد للمسيرية المتهمة بممالاة الإنقاذ) سوقاً إلى جهل نشط بالجنوب ومعاشه ومعاده. ويؤسفني أن تضطرني أمية هذه الصفوة وشغبها إلى ما لم تأخذ هي نفسها بالشدة لطلبه وهو الكتاب عن الجنوب. فقد نظرت في كتاب صدر في 1997 عن معهد جامعة هارفارد العالمي للتنمية عنوانه "ما بين المستنقعات ومكان صلب" لمؤلفيه ديفيد كول وريتشارد هنتيقتون. والكتاب يلخص تجربة ذلك المعهد في تنمية ابيي (1979-1981). ووصف الكتاب مراحيل دينكا نقوك آناء موسمي الشتاء الجاف والصيف الممطر. فموارد المياه عندهم تنضب في الشتاء فيرحل الرعاة بالقطعان جنوباً عابرين بحر العرب-كير. وربما بلغوا ديار النوير في السنين العجاف. ويقوم على القطعان شباب الدينكا في عمر الثلاثين ويشكلون 65% من المرحال تساعدهم شابات في سن العشرين يشكلن 25% والبقية أطفال وكبار السن. وهذا أيضاً وقت قدوم المسيرية من الشمال إلى أبيي في مرحال يبلغون به بحر العرب كذلكً. وفي هذه الفترة تخلو قرى الدينكا من سكانها لاستحالة الزراعة فيتفرقون. فمنهم من يتجه للشمال بحثاً عن عمل يزيد به دخله. ثم يحل موسم الخريف وهو وقت عودة قطعان النقوك شمالاً حتى أرض القوز شمالي أبيي بحثاُ عن أرض جافة نسبياً لمعسكرات البقر. فالمسيرة والنقوك رخالة ولكن العتب على الغرض.
وبدأ الخصاونة من صفة المسيرية والدينكا نقوك المشتركة وهي أنهما بادية. وقال إن المسألة ليست في أن أحد الجماعتين "تأخذ بالرعي تتخبط في الأرض خبط عشواء في مقابل أخرى من المزارعين المستقرين". وأخذ على الخبراء أنهم، بإعمالهم مفهوم الأكابر-الأصاغر في مفهوم الأرض، إنما جعلوا المسيرية مواطنين من الدرجة الثانية في أرضهم وليس لهم سوى رعي بهائمهم فيها لا أكثر. ولم يثبت في واقع الأمر وجود مفهوم للأرض ونظمها مثل الذي اهتدى به الخبراء والذين اعترفوا هم أنفسهم بأنه كان القول الفصل في منح أبيي للدينكا نقوك. وخلص الخصاونة إلى وصم تحديد الخبراء لأرض النقوك بالمجازفة والخروج عن التفويض لأنه لم تثبت لاستدلالات الخبراء مقدمات في نظم الأرض في كردفان.
من أنفع زوايا النظر لرأي الخصاونة هي صدوره من عربي مسلم. ولا اريد أن ينصرف ذهننا هنا إلى أنه حابى المسيرية نصراً لها ظالمة ومظلومة. فقد سبقنا القاضي إلى القول للشرق الأوسط (30 يونيو 2009) إنه إن إعتد بعروبته وإسلامه في هذا الموقف فلأنهما ربياه على طلب العدل للناس كافة. ما أردته من ذكر هويتيّ القاضي القول بأن البداوة، على خلاف زملائه، ذاكرة قريبة منه. فقد قال للشرق الأوسط إنه لم يقبل أن يعتبر الخبراء والمحكمة المسيرية "مجرد بدو رحل لهم حقوق ثانوية في الأرض" بينما الدينكا بدو مثلهم. وانتثرت هذه الحمية للعدل للبداوة أو بين البداة في جنبات رأيه. وربما فسر هذا قسوة عبارته (كما وصفها هو نفسه للشرق الأوسط) في تقريره لغضبته من افتئيات "المضر" (الحضر) الدولي على "الوبر" (البادية) وانتقاص حقوق جماعة ما بالنظر إلى أسلوب حياتها. والخصاونة ربما كان الوحيد في أروقة التحكيم الذي به فطرة بداوة أو ذاكرتها بما حصنه من ظلم البداة. وهم جماعة من "الإنسانية الأولى" التي جعلتهم الأمم المتحدة في ذمتها حماية لهم من احتقان أهل البنادر الذين لا يرونهم، في مراحيلهم الرشيدة الدبيرة، سوى جماعة هائمة على وجهها تنكبت الاستقرار الذي عليه عماد الحداثة.
أزكي لشبابنا وشباب المسيرية خاصة قراءة تقرير الخصاونة. وأزكيه لبيانه وقوة عارضته قبل وقفته الغراء مع حق المسيرية في وجه قضاة كلهم للنار . فقد جاء إلى كتابة تقريره بخبرة كثيفة في العبارة. وتجده طَعّم رأيه بالمجاز فأمتع. فرأي المحكمة في المسألة عنده قد بٌني على باطل. بل وصفه بأنه "صفعة بوجه علم الحدود". فالمحكمة لم تقصد به إحقاق الحق بل عقد صفقة سعيدة للأطراف جمعاء (ومنح السودان حقول النفط كان جذرة لدولة لم تستعد لحق مواطنيها). واستدعى ذلك من القاضي الرجوع إلى حافظ الشيرازي (1320) ليقول بأن المحكمة تركت الحق وتعلقت بالأمل. ولكن:
قوائم بيت الأمل على الرمال
وجاء من فيلسوف آخر بكلمة عجيبة. فقد وصف المحكمة بأنها ظلت تدور حول نفسها لتحدد منطقة أبيي تطلب ذلك الحل السعيد. وقال إنها ربما حسبت أن لفها حول حججها ودورانها سيبلغ بها السداد وإن طال السفر. ولكن لا بأس من المحاولة:
فحتى أكثر الأنهار إعياء يبلغ البحار بسلام
ومن مآخذه على المحكمة أنها تغاضت عن الحق في تصميمها لعقد حل وسط مما أوقعها في زلات اللسان الفرودية الفاضحة للغرض المبيت. فأكثرت من القول: "إنه أكثر نفعاً للمحكمة" في تمييز الوقائع التي بين يديها. فالنفع شيء، في قوله، والحق شيء. وختم الخصاونة كلمته بقوله إن المساومة من طبع البشر. والتفت إلى الشاعر البريطاني رايدارد كبلينغ الذي كتب "الفزي وزي" عن شعب البجا. وقال إنه ربما عرف شيئاًً أو آخر عن السودان. وهو القائل
الإنسان دب في معظم علاقاته
ودودة ومتوحش في غيرها
الأنسان يعرض التفاوض على الطاولة
ويقبل بالمساومة الناتجة
وبدا لي أن الخصاونة كمن يقول: "ولكن الصدق منج دائماً. أما المساومة فلا".

Comments

Popular posts from this blog

Mona Farouk reveals scenes of "scandalous video"Egyptian actress Mona Farouk appeared on

Mona Farouk reveals scenes of "scandalous video"Egyptian actress Mona Farouk appeared on Monday in a video clip to discuss the details of the case she is currently facing. She recorded the first video and audio statements about the scandalous video that she brings together with Khaled Youssef.Farouk detonated several surprises, on the sidelines of her summons to the Egyptian prosecution, that Khalid Youssef was a friend of her father years ago, when she was a young age, and then collected a love relationship with him when she grew up, and married him in secret with the knowledge of her parents and her father and brother because his social status was not allowed to declare marriage .Muna Farouk revealed that the video was filmed in a drunken state. She and her colleague Shima al-Hajj said that on the same day the video was filmed, she was at odds with Shima, and Khaled Yusuf repaired them and then drank alcohol.She confirmed that Youssef was the one who filmed the clips whil

الحلقة 20 هنادي المطلقة والمحلل (ماذا قال كتاب العرب في هنادي)-----------Khalid Babiker

• الجنس شعور فوضوي يتحكم في الذات والعقل . وله قوة ذاتية لا تتصالح إلا مع نفسها . هكذا قال أنصار المحلل الحلقة 20 هنادي المطلقة والمحلل (ماذا قال كتاب العرب في هنادي) أول طريق عبره الإنسان هو طريق الذكر . بعدها شهق وصرخ . تمرغ في الزيت المقدس . وجرب نشوة الأرغوس . عاجلا أم آجلا سيبحث عن هذا الطريق ( كالأسماك تعود إلى أرض ميلادها لتبيض وتموت ) . وسيعبره . سيعبره بحثا عن الديمومة . وسيشهق وسيضحك . لقد جاء إليه غريبا . سيظل بين جدرانه الدافئة غريبا . وحالما يدفع تلك الكائنات الحية الصغيرة المضطربة في الهاوية الملعونة سيخرج فقيرا مدحورا يشعر بخيانة ما ( ..... ) . لن ينسى الإنسان أبدا طريق الذكر الذي عبره في البدء . سيتذكره ليس بالذاكرة وإنما بالذكر . سيعود إليه بعد البلوغ أكثر شوقا وتولعا . ولن يدخل فيه بجميع بدنه كما فعل في تلك السنوات التي مضت وإنما سيدخل برأسه . بعد ذلك سيندفع غير مبال بالخطر والفضيحة والقانون والدين . الله هناك خلف الأشياء الصغيرة . خلف كل شهقة . كل صرخة مندفعا في الظلام كالثور في قاعة المسلخ . الله لا يوجد في الأشياء الكبيرة . في الشرانق . في المح . ينشق فمه . تن

Trusting Liar (#5) Leave a reply

Trusting Liar (#5) Leave a reply Gertruida is the first to recover.  “Klasie… ?” “Ag drop the pretence, Gertruida. You all call me ‘Liar’ behind my back, so why stop now? Might as well be on the same page, yes?” Liar’s face is flushed with anger; the muscles in his thin neck prominently bulging. “That diamond belongs to me. Hand it over.” “What are you doing? Put away the gun…” “No! This…,” Liar sweeps his one hand towards the horizon, “…is my place.  Mine!   I earned it! And you…you have no right to be here!” “Listen, Liar, we’re not the enemy. Whoever is looking for you with the aeroplane and the chopper….well, it isn’t us. In fact, we were worried about you and that’s why we followed you. We’re here to help, man!” Vetfaan’s voice is pleading as he takes a step closer to the distraught man. “Now, put down the gun and let’s chat about all this.” Liar hesitates, taken aback after clearly being convinced that the group  had hostile intentions. “I…I’m not sure I believe